في ذروة الجدل العالمي حول عودة فيروس «هانتا» إلى الواجهة، أعاد رجل الأعمال الأميركي برايان جونسون نشر تغريدة صاغ فيها تصورًا دراماتيكيًا لكيفية تفاعل العالم مع جائحة مستقبلية في عصر الذكاء الاصطناعي والبيوتكنولوجيا المتقدمة. في تلك الرسالة، افترض جونسون أن تحوّل «هانتا فيروس» إلى تهديد عالمي سيطلق سلسلة متسارعة من الإجراءات يقودها الذكاء الاصطناعي، تبدأ من فك الشيفرة الجينية خلال ساعات وصولًا إلى تصميم لقاحات وعلاجات مخصصة وفق البصمة الجينية لكل فرد.
المفارقة أن هذا السيناريو التخييلي أعيد تداوله على نطاق واسع بالتزامن مع الإعلان عن تفشيات فعلية للفيروس على متن سفينة سياحية في جنوب الأطلسي ورصد حالات مؤكدة ومشتبه بها في دول أوروبية وغربية، ما جعل التغريدة تبدو، في نظر كثيرين، أشبه بتنبؤ مسبق بمشهد صحي مضطرب.
يعتمد سيناريو جونسون على فرضية أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي باتت قادرة على معالجة الأزمات الوبائية بسرعة غير مسبوقة. في تصوره، يتم نشر التسلسل الجيني للفيروس في غضون أربع ساعات من اكتشافه، ثم تستخدم منصات متقدمة لنمذجة البروتينات من أجل استكشاف أهداف دوائية محتملة بدقة عالية. بعد ذلك، تتولى خوارزميات متخصصة فحص عشرات الآلاف من المركبات الدوائية خلال أربع وعشرين ساعة فقط، مع تصميم عشرات النماذج الأولية للقاحات في وقت متقارب، فيما تتكفل أنظمة أخرى بابتكار أجسام مضادة خلال أيام قليلة.
في هذا التصور، تتقاطع قدرات الحوسبة عالية الأداء مع تقنيات البيولوجيا التركيبية لتسريع كامل سلسلة التطوير الدوائي، من لحظة التعرف على الفيروس إلى إنتاج الجرعات الأولى في غضون أسابيع، مع تحديث مستمر لخرائط المتحورات كل ساعة استنادًا إلى بيانات دولية متدفقة.
يتجاوز النص الذي نشره جونسون الجانب التقني الضيق نحو بعد اجتماعي وسياسي يتمثل في فكرة أن المجتمعات والأفراد، في حال تحقق مثل هذا السيناريو، قد لا ينتظرون المبادرات الحكومية التي وُصفت خلال جائحة «كوفيد‑19» بأنها بطيئة أو مثقلة بالبيروقراطية. فوفق هذا المنظور، يمكن لمختبرات خاصة وشبكات بحث موزعة ومنصات تجريب سريرية افتراضية أن تنشئ منظومة موازية للاستجابة الوبائية، تسمح بالتسجيل عن بعد والمشاركة في تجارب عقاقير ولقاحات من دون المرور بالأطر التقليدية.
ومن خلال جمع بيانات الجينوم والمؤشرات الحيوية من ملايين الأفراد، تقترح الرؤية بروتوكولات علاجية شبه شخصية، حيث يحصل كل شخص على مزيج دوائي وجرعات مصممة تبعًا لعوامل الخطر الفردية التي تحسبها الخوارزميات في الزمن الحقيقي. هذا التصور يحمل في طياته وعدًا بطب دقيق وسريع، لكنه يطرح في الوقت ذاته أسئلة عميقة عن من يمتلك هذه البيانات، ومن يحدد المعايير الأخلاقية للتجارب الواسعة النطاق التي تُدار آليًا.
تزامن تداول التغريدة مع تغطيات إعلامية لخروج «هانتا فيروس» من الهامش العلمي إلى صدارة الأخبار، بعد تسجيل حالات وفاة وإصابات على متن سفينة سياحية فاخرة في جنوب المحيط الأطلسي، وامتداد التحقيقات الوبائية إلى جزر نائية ومرافئ أوروبية. هذا التطور أعاد إلى الأذهان تقارير صحية دولية تشير إلى أن فيروسات «هانتا» تنتشر أساسًا عبر القوارض، وأن هناك عشرات السلالات المعروفة بعضها قادر على إحداث متلازمات تنفسية حادة لدى البشر، مع تسجيل حالات نادرة لانتقال العدوى بين الأشخاص في سلالات بعينها.
كما دفعت موجة القلق الجديدة إلى ظهور مزاعم عن أن الفيروس «من صنع البشر» تستند إلى وثائق براءات اختراع، لكن تدقيقًا مستقلًا أوضح أن هذه الوثائق تتعلق بمكونات تستخدم في تطوير لقاحات محتملة، وليس بتصميم الفيروس نفسه، الأمر الذي يبرز الفارق بين لغة البحث العلمي وطريقة توظيفها في الخطاب العام.
في هذا المناخ المشحون، اكتسبت تغريدة جونسون بعدًا إضافيًا، إذ قرأها البعض كتأكيد على أن الشركات التكنولوجية الكبرى ومنصات الذكاء الاصطناعي تستعد للاستفادة من أي أزمة صحية واسعة النطاق، بينما رأى آخرون فيها دعوة إلى تحرير الابتكار الطبي من القيود البيروقراطية، حتى لو تم ذلك عبر مسارات خاصة خارج أطر المنظمات الدولية.
من جهة أخرى، استدعت الفكرة تصورًا مغايرًا تمامًا لما عايشه العالم قبل سنوات قليلة، حين استغرق تطوير اللقاحات المضادة لفيروس «كورونا المستجد» شهورًا طويلة رغم تسريع غير مسبوق للإجراءات التنظيمية. مقارنة هذا المسار بما يقترحه جونسون، من تسلسل جينومي في ساعات وتجارب موزعة عبر عشرات الدول وإطلاق إنتاج متزامن، تضع أمام المتلقي مفارقة بين قدرة التكنولوجيا المفترضة وحقيقة البنى الصحية والقانونية التي ما زالت تخضع لاعتبارات السيادة الوطنية والعدالة في توزيع الموارد.
ضمن هذه المسافة بين الواقع والخيال، يمنح نص برايان جونسون مثالًا على الطريقة التي يمكن أن تعيد بها تغريدة واحدة تشكيل إدراك الجمهور للمخاطر الصحية ولقدرات الذكاء الاصطناعي في آن واحد. فهي تلتقط خوفًا متجددًا من الأوبئة، وتضع إلى جواره وعدًا بتقنية قادرة على تسريع الاكتشاف والعلاج، مع إزاحة الحكومات إلى الهامش لصالح فاعلين جدد يمتلكون البيانات والخوارزميات.
هذا التداخل بين المخاوف والوعود يطرح أمام الصحافة العلمية والتكنولوجية مسؤولية مضاعفة في تفكيك الخطابات المتداولة، وفصل ما يستند إلى إمكانات بحثية قائمة عما ينتمي إلى عالم التوقعات الطموحة أو الرسائل التسويقية المقنعة، حتى لا تتحول منصات التواصل إلى مسرح يختلط فيه الإنذار المبكر بالتضليل، وتستبدل فيه السرديات المتخيلة بالحقائق المتدرجة التي يكشفها العلم والمؤسسات الصحية المختصة.



