يتكرر حضور الطائرات الخاصة بكثافة مع كل دورة من مهرجان كان السينمائي، حيث تتحول المدينة الساحلية إلى نقطة جذب لحركة جوية استثنائية مرتبطة بوصول النجوم وصنّاع السينما ورجال الأعمال. بيانات حديثة نشرتها منصة بوليتيكو نقلاً عن منظمة النقل والبيئة الأوروبية تكشف أن دورة 2025 سجلت مئات الرحلات الجوية الخاصة المرتبطة بالمهرجان، ما يعكس حجم الاعتماد على هذا النمط من التنقل ضمن الفعاليات العالمية الكبرى.
الأرقام المتداولة تقدم صورة دقيقة عن الأثر البيئي لهذه الحركة الجوية. فقد قُدّر استهلاك هذه الرحلات بنحو مليوني لتر من وقود الطائرات، وهو ما يعادل انبعاثات رحلات تجارية لعشرات الآلاف من المسافرين. المقارنة التي أوردتها البيانات تفيد بأن هذه الانبعاثات تعادل ما ينتجه 14 ألف مسافر خلال رحلة ذهاب وإياب بين باريس وأثينا، وهو معيار يُستخدم لتقريب حجم البصمة الكربونية إلى الرأي العام.
في هذا الإطار، تدعو منظمة النقل والبيئة إلى تغيير سلوكيات السفر المرتبطة بالفعاليات الثقافية الكبرى، مع تركيز خاص على الشخصيات العامة القادرة على التأثير في أنماط الاستهلاك. وتستحضر المنظمة مثال الممثل بيدرو باسكال الذي اختار السفر على متن رحلة تجارية في الدرجة الاقتصادية خلال الدورة السابقة، باعتباره نموذجاً مختلفاً عن السلوك السائد بين نجوم الصف الأول.
الجدل المرتبط بالتنقل الجوي الخاص لا ينفصل عن نقاش أوسع حول علاقة الصناعات الثقافية بالتحولات المناخية. فالمهرجانات الدولية، رغم دورها في الترويج الثقافي والاقتصادي، أصبحت جزءاً من نقاش عالمي حول تقليل الانبعاثات، خصوصاً في ظل تسارع المؤشرات العلمية المرتبطة بالاحترار العالمي.
في سياق متصل، تزداد الدعوات داخل الأوساط الصحية الدولية إلى التعامل مع التغير المناخي كقضية صحية بالدرجة الأولى. لجنة أوروبية مستقلة من الخبراء أوصت منظمة الصحة العالمية باعتبار هذه الأزمة حالة طوارئ صحية عالمية، وفق ما ورد في تقرير نشرته صحيفة الغارديان حول توصيات اللجنة الأوروبية.
ترى اللجنة أن تداعيات التغير المناخي لم تعد تقتصر على الجوانب البيئية، بل تمتد إلى مجالات الصحة العامة والغذاء والمياه والطاقة، إضافة إلى الأبعاد المرتبطة بالأمن. هذه المقاربة تضع المؤسسات الصحية أمام تحديات جديدة تتجاوز الأطر التقليدية للاستجابة للأوبئة أو الأزمات الصحية الطارئة.
البيانات الخاصة بأوروبا خلال صيف 2025 تقدم مؤشراً إضافياً على هذا الترابط. فقد أظهرت تقديرات أن نحو 70 في المئة من الوفيات المرتبطة بموجات الحر في 854 مدينة أوروبية تعود إلى تأثيرات التغير المناخي، وهو ما يعزز الربط بين السياسات البيئية والصحة العامة.
تتقاطع هذه المعطيات مع النقاش حول الفعاليات الكبرى مثل مهرجان كان، حيث يطرح تساؤل حول التوازن بين النشاط الثقافي العالمي ومتطلبات الاستدامة. فالتحدي لا يتعلق بإلغاء هذه الفعاليات، بل بإعادة النظر في أنماط تنظيمها، خصوصاً ما يتعلق بالتنقل واستهلاك الطاقة.
في ضوء ذلك، يتجه النقاش نحو حلول عملية تشمل تشجيع استخدام الرحلات التجارية، وتعزيز الاعتماد على وسائل نقل أقل انبعاثاً، إضافة إلى إدماج معايير بيئية أكثر صرامة في تنظيم الأحداث الدولية. كما تبرز الحاجة إلى دور أكبر للمؤسسات الثقافية في تبني سياسات واضحة تقلل من الأثر البيئي لأنشطتها.
تزامن الجدل حول الطيران الخاص في كان مع الدعوات الصحية الدولية يعكس تحولا في طبيعة النقاش العام، حيث لم يعد التغير المناخي ملفاً منفصلاً، بل عنصراً حاضراً في تقييم مختلف الأنشطة البشرية، من الصحة إلى الثقافة وصولاً إلى أنماط السفر والاستهلاك.


