أدوار الإعلام الرياضي في تشكيل القوة الناعمة المغربية

نشر بتاريخ 06/11/2026
منصة الخبر

تقدّم دراسة منشورة في عدد أبريل 2026 من المجلة العلمية المحكمة International Journal on Humanities and Social Sciences تحليلاً مفصلاً لكيفية إسهام الإعلام الرياضي المغربي في بناء قوة ناعمة قائمة على استثمار التظاهرات الكبرى والصورة الذهنية المرتبطة بها. تنطلق الدراسة من ملاحظة انتقال الرياضة، من مجرد منافسة بين لاعبين وأندية، إلى أداة متعددة الأبعاد تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة، بما يحوّل التظاهرات الرياضية إلى منصات رمزية للتسويق الوطني والتأثير غير المباشر في الرأي العام الخارجي. في هذا الإطار، يُنظر إلى الإعلام الرياضي باعتباره قناة رئيسية لترتيب هذه الرمزية، من خلال اختيار الزوايا السردية، وانتقاء الضيوف والخبراء، وطريقة تغطية الاستعدادات والتنظيم والجمهور والنتائج.



ترصد الدراسة، من منظور بحثي في علوم الإعلام، مسار تشكّل صورة المغرب في التغطيات المرتبطة بالفعاليات الرياضية القارية والدولية، مع التركيز على تداخل الأداء التنظيمي والبنية التحتية والخطاب الإعلامي. وتشير إلى أن التعامل الإعلامي مع تنظيم البطولات، أو استضافة المنتخبات، أو حضور الجمهور، لا يقتصر على الجانب الإخباري، بل يمر عبر بناء حكايات متكررة تبرز الكفاءة والمؤهلات والقدرة على استضافة المنافسات الكبرى. هذه الحكايات، عندما تتكرر عبر قنوات تلفزيونية، وإذاعات، ومنصات رقمية، تساهم في ترسيخ صورة ذهنية لدى الجمهور الخارجي مفادها أن المغرب فاعل رياضي وتنظيمي يمتلك رصيداً من الخبرة، وهو ما يمنحه رصيداً إضافياً في مجال القوة الناعمة.

تتوقف الدراسة عند البعد الاتصالي الذي يربط بين التظاهرات الرياضية والهوية الوطنية، حيث يُعاد تقديم عناصر الثقافة المحلية عبر التغطيات، سواء من خلال الأهازيج في الملاعب أو المواد الوثائقية القصيرة التي تبثها القنوات قبل المباريات وخلالها. هذا التقديم لا يظل موجهاً للجمهور الداخلي فقط، بل يتسرب إلى المتابعين عبر البث الفضائي والمنصات الرقمية العالمية، بما يوسع نطاق التعرف على الرموز الثقافية المغربية. وتذهب الدراسة إلى أن هذا التوظيف الثقافي داخل الخطاب الرياضي يضيف طبقة رمزية إلى القوة الناعمة، تجعل من الحدث الرياضي مناسبة لعرض ملامح من التاريخ والتراث والفنون الشعبية أمام جمهور دولي واسع.

في مستوى آخر، تناقش الدراسة دور الصحافة الرياضية في إعادة صياغة النقاش العام حول المشاريع والبنى التحتية المرتبطة بالرياضة، مثل الملاعب الجديدة، وشبكات النقل، والخدمات اللوجستية التي تُعَدّ شرطاً لاستضافة المنافسات الكبرى. وتوضح أن تناول هذه المشاريع في البرامج الحوارية والتقارير التحليلية يمنحها بعداً يتجاوز الجانب التقني، إذ تصبح دليلاً على قدرة الدولة على التخطيط والاستثمار طويل المدى، وهو ما يُقرأ في سياقات دولية باعتباره مؤشراً على الاستقرار المؤسسي وجاذبية الاستثمار. بهذا المعنى، يتحول الإعلام الرياضي إلى واجهة تعرض صورة عن مستوى تجهيز البلد واستعداده للاندماج في الاقتصاد الرياضي العالمي.

تلفت الدراسة النظر أيضاً إلى الطريقة التي يتعامل بها الإعلام مع صور الجماهير، من حيث التنظيم، والتشجيع، واحترام الضوابط، وهي عناصر تُسهم في رسم ملامح السلوك الجماعي في أعين المتابعين من خارج البلد. فالمشاهد المتكررة للجماهير المنظمة، والشعارات الموحدة، والأجواء الاحتفالية المنضبطة، تُستثمر ضمنياً لتأكيد امتلاك المجتمع لرأسمال رمزي قائم على الانتماء الجماعي المنظم، وهو ما يدخل ضمن مقومات القوة الناعمة المرتبطة بنمط العيش والصورة الاجتماعية. كما تتناول الدراسة حضور الجاليات المغربية في الملاعب خارج البلاد، وكيف يتعامل الإعلام مع هذا الحضور بما يعزز صورة مجتمع متماسك يحافظ على روابطه مع الوطن حتى في الفضاءات الرياضية العابرة للحدود.

من زاوية منهجية، تعتمد الدراسة على مقاربة وصفية وتحليلية تجمع بين مراجعة الأدبيات النظرية حول مفهوم القوة الناعمة، وتحليل عيّنات من التغطيات الإعلامية لعدد من التظاهرات الرياضية التي استضافها المغرب أو شارك فيها. ويتيح هذا الاختيار ربط التحليل النظري بمواد إعلامية ملموسة، مع التركيز على الخطاب البصري واللغوي الذي تبنته القنوات والمنصات المختلفة. وتخلص الدراسة إلى أن تراكم هذه التغطيات، حين يتسم بالاستمرارية والتناسق، يمكن أن يشكل رصيداً رمزياً متنامياً، إلا أن ذلك يظل مشروطاً بوجود رؤية اتصالية واضحة لدى الفاعلين الإعلاميين والمؤسسات المعنية بتنظيم الرياضة وصناعتها.

تفتح هذه النتائج المجال أمام نقاش مهني داخل غرف الأخبار والمؤسسات الإعلامية المغربية حول موقع الصحافة الرياضية ضمن الاستراتيجية الاتصالية الأوسع للبلد، وخاصة في أفق المنافسة على استضافة تظاهرات دولية جديدة. كما تُطرح أسئلة بحثية إضافية حول تأثير المحتوى الرقمي المنتَج من طرف الجمهور، مثل المقاطع المصورة على المنصات الاجتماعية، في إعادة تشكيل الصورة الذهنية التي عملت القنوات التقليدية على بنائها. وتمنح الدراسة، من خلال إطارها النظري وتفاصيلها التطبيقية، مادة يمكن البناء عليها في أبحاث لاحقة تتناول كيفية تفاعل الجمهور الدولي مع هذه الصورة، ومدى مساهمة الإعلام الرياضي في مؤشرات ملموسة مثل تدفقات السياح أو الاستثمارات المرتبطة بالصناعات الرياضية والترفيهية.