ينطلق هذا المقال من قراءة تحليلية لخطاب رئيس مجلس إدارة «نيويورك تايمز» المنشور في مجلة «لو غراند كونتينان» تحت عنوان «Comment sauver le journalisme au temps de l’IA»، بوصفه وثيقة تعكس تصورا مؤسسيا لتأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الصحافة. يقدم النص الأصلي مرافعة مفصلة حول كيفية إعادة تنظيم العلاقة بين غرف الأخبار والشركات التكنولوجية الكبرى، مع تركيز خاص على مسألة القيمة الاقتصادية التي تنتجها الصحافة حين تُستخدم مادتها التحريرية وقودا للنماذج اللغوية الكبرى من دون تعويض ملائم أو إطار تعاقدي واضح.
تُصوَّر الطفرة الأخيرة في الذكاء الاصطناعي التوليدي باعتبارها انتقالا من مرحلة «الويب المفتوح» إلى منظومة جديدة تصبح فيها واجهات الدردشة والبحث المدعوم خوارزميا محطة عبور شبه إلزامية لأي تفاعل مع المعلومات. في هذه البيئة، تعتمد النماذج على أرشيفات صحفية مكتوبة ومصورة امتدت عقودا، وجُمعت بكلفة تحريرية وميدانية عالية، ثم تُحوَّل النتائج إلى إجابات جاهزة لا تُظهر للمتلقي المسار التحريري أو الجهد البشري الكامن وراء البيانات التي بُنيت عليها. يلفت الخطاب إلى أن غالبية كبرى من المواقع الأكثر استخداما في تدريب بعض النماذج العامة هي مواقع صحفية أو منصات معرفة خاضعة لحقوق تأليف، مما يجعل الصحافة أحد الأعمدة التقنية غير المعلنة لصناعة الذكاء الاصطناعي.
يتوقف النص طويلا عند مفارقة تتعلق بتوزيع القيمة. فمن جهة، تعيش مؤسسات إعلامية عديدة تقليصا في أعداد الصحفيين وإغلاقا لصحف محلية وتراجعا في عائدات الإعلانات والاشتراكات، في حين تسجل الشركات المطوِّرة للذكاء الاصطناعي ومشغلو المنصات الرقمية قيمات سوقية بمليارات الدولارات، اعتمادا جزئيا على مواد أنتجتها تلك المؤسسات نفسها. ومن جهة أخرى، يتقلص حجم الزيارات التي كانت تتلقاها المواقع الإخبارية من محركات البحث، إذ تكتفي واجهات البحث الجديدة بتقديم خلاصات مدمجة، لا تدفع المستخدم إلى مغادرة البيئة المنصّاتية، بما يؤدي إلى إضعاف قدرة غرف الأخبار على تحويل الجمهور إلى مشتركين أو قراء أوفياء قادرين على تمويل صحافة تحقيق وتحليل معمق.
في مستوى ثانٍ، يعالج الخطاب البعد القانوني لهذا التحول. يشير إلى أن نماذج الأعمال الحالية لشركات الذكاء الاصطناعي تستند إلى قراءة متوسعة لمبدأ «الاستخدام العادل» أو الاستثناءات التعليمية والبحثية في قوانين الملكية الفكرية، مع محاولة توسيع هذه التفسيرات لتشمل استخداما تجاريا واسعا للمحتوى الصحفي. أمام هذا الوضع، تتجه بعض المؤسسات الإعلامية الكبرى إلى مقاضاة الفاعلين التقنيين بتهمة الانتهاك المنظم لحقوق التأليف، فيما تتفاوض أخرى على اتفاقيات ترخيص محددة القيمة الزمنية والمالية. إلا أن الفاعلين الأصغر، من صحف محلية ومواقع مستقلة، يجدون أنفسهم في موقع أضعف، إما لأنهم يفتقرون إلى الموارد القانونية والمالية اللازمة، أو لأنهم يعتمدون في جزء من جمهورهم على المنصات نفسها التي يسعون إلى تنظيم العلاقة معها.
رغم هذه النبرة التحذيرية، لا يتبنى النص رؤية تقنية مناهضة للذكاء الاصطناعي في حد ذاته. بل يُقدِّم الأدوات الذكية بوصفها امتدادا محتملا لقدرات غرف الأخبار حين تُستخدم ضمن حدود واضحة، سواء في تحليل الوثائق، أو مساعدة الصحفيين على فرز البيانات الضخمة، أو تسريع بعض المهام المتكررة مثل التفريغ والترجمة والبحث الأولي عن السياقات. غير أن الخطاب يشدد على ضرورة أن تبقى هذه الأدوات خاضعة لمساءلة تحريرية، وأن يُبلَّغ الجمهور بحدود استخدامها، وألا تتحوّل إلى ذريعة لتقليص الحجم البشري في غرف الأخبار لصالح محتوى آلي من الصعب التمييز بينه وبين النصوص المهنية بالنسبة للقارئ غير المتخصص.
على الصعيد التنظيمي والسياسي، يدعو النص إلى إعادة تفاوض واسعة حول شروط استخدام المحتوى الصحفي في تدريب النماذج اللغوية وفي واجهات البحث والدردشة، مع الاستناد إلى تجارب سابقة في مجال «الحقوق المجاورة» التي طُبقت على محركات البحث وشبكات التواصل في بعض المناطق. يَرِد ضمن هذا التصور اقتراح بناء آليات ترخيص جماعية تسمح للمؤسسات الصحفية بالحصول على مقابل عادل، إلى جانب وضع قواعد شفافية تُلزم النماذج بالإفصاح عن مصادرها وتعزيز قابلية اكتشاف المقالات الأصلية داخل النتائج التي تُقدَّم للمستخدمين. كما يُلمِّح الخطاب إلى أهمية تكتلات مهنية عابرة للحدود تجمع مؤسسات إعلامية مختلفة الأحجام، حتى لا تتحول هذه المرحلة إلى ترتيب ثنائي بين عدد محدود من المنصات وبعض الناشرين الكبار، بما يفاقم الفجوة داخل القطاع نفسه.
بالنسبة لغرف الأخبار، يقترح النص مسارا يقوم على تمييز ما لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقدمه بالمعنى التحريري. يشمل ذلك التحقيقات الميدانية المعمقة، والمتابعات طويلة النفس للملفات القضائية والسياسية والاقتصادية، والتغطية المحلية الدقيقة التي تتطلب حضورا على الأرض وفهما للسياقات الاجتماعية، وصحافة البيانات المبنية على منهجيات قابلة للتدقيق. في هذا التصور، يصبح الذكاء الاصطناعي محيطا تكنولوجيا تعمل داخله الصحافة، وليس بديلا عن دورها المركزي في إنتاج المعرفة العامة، بما يفترض أن تحافظ المؤسسات الإعلامية على استقلالها التحريري ومصادر تمويلها المتنوعة، وأن تعيد بناء علاقتها مع الجمهور على أساس تعاقد واضح حول القيمة المضافة التي تقدمها مقارنة بالمحتوى الآلي أو المكرر.
إستمع ل : مستقبل الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي: تحديات البقاء والملكية


