تسلط نايلة الصليبي الضؤ في "النشرة الرقمية" على إمبراطورية "بالانتير" التي أصبحت من شركة ناشئة في السيليكون فالي إلى عين "سورون" التي تراقب العالم وأداة قمع عالمية!
من رماد 11 سبتمبر إلى ولادة "Palantir"
عقب هجمات 11 سبتمبر 2001، سيطر هاجس أمني مطلق على الولايات المتحدة، وبرزت الحاجة الملحّة لفك شيفرات البيانات المبعثرة بعد فشل الاستخبارات في "ربط النقاط" "connect the dot "ما دفع البنتاغون إلى إطلاق برنامج Total Information Awareness- "الوعي الكامل بالمعلومات"، وهو مشروع مراقبة أُلغي عام 2003 بعد احتجاجات واسعة اعتبرته تجسيداً لنبوءات جورج أورويل المظلمة حول الرقابة الشاملة.
لكن الفكرة لم تندثر، بل غيّرت شكلها. في اللحظة ذاتها تقريباً، قرر "بيتر ثيل" تأسيس شركة Palantir Technologies مع "ستيفن كوهين" و"جو لونسدال" و"ناثان غيتينغز" و"أليكس كارب".
لم يُقدَّم المشروع كبرنامج حكومي مباشر، بل كأداة تحليل بيانات متطورة تطورها شركة خاصة، وبالتعاون الوثيق مع الأجهزة التي ستستخدمها.
الاسم والرؤية: حجارة سحرية من عالم الخيال
بيتر ثيل، المستثمر "الليبرتاري" Libertarian وأحد مؤسسي PayPal وأول داعمي فيسبوك، استعار اسم "Palantir "من سلسلة سيد الخواتم Lord of the rings للكاتب John Ronald Reuel Tolkien. في هذا العالم الخيالي، تمثل "البالانتير" حجارة الرؤية القادرة على اختراق حجب الزمان والمكان. استلهم بيتر ثيل، المعجب بأعمال تولكين، هذا الاسم لشركته التي ستصبح بمثابة عين رقمية عملاقة ترى كل شيء.
ثنائي متناقض على رأس الإمبراطورية الرقمية
لإدارة Palantir Technologies ، اختار بيتر ثيل الفيلسوف أليكس كارب ،الحاصل على دكتوراه في النظرية الاجتماعية من جامعة فرانكفورت. أليكس كارب شخصية غريبة: يعاني من عسر القراءة، لا يعرف القيادة، يقضي خمس ساعات يومياً في التزلج أو التشي غونغ، يعيش منعزلاً في نيوهامبشاير، ويصف نفسه بأنه "يساري متطرف" بينما بيتر ثيل "يميني متطرف". هذا الثنائي المتناقض نجح في بناء واحدة من أقوى شركات التكنولوجيا وأكثرها غموضاً ونفوذاً، تجمع بين خطاب أخلاقي عن “حماية الديمقراطية” وممارسة عملية تقوم على تعظيم قدرات المراقبة.
من مكافحة الاحتيال إلى تتبع البشر
ساهم بيتر ثيل في PayPal بتطوير خوارزميات ذكية لكشف الاحتيال المالي. ومن هنا نشأت الفكرة: إذا كان بالإمكان تتبع الشبكات المالية المعقدة، فلماذا لا تُستخدم الأساليب نفسها لتتبع “التهديدات الأمنية”؟
في عام 2004، لم يكن أحد في "السليكون فالي" يرغب في الاستثمار في القطاع الدفاعي. اضطر بيتر ثيل وصندوقه الاستثماري لوضع 30 مليون دولار، ثم توجه نحو حليف غير متوقع In-Q-Tel، و هو صندوق رأس المال المغامر تدعمه وكالة الاستخبارات المركزية CIA .
ضخت In-Q-Tel مليوني دولار في مشروع "Palantir "وعمل مهندسو " Palantir " مباشرة داخل الوكالات الاستخباراتية لتطوير برنامجهم الأول " Gotham " -"غوثام " لم تكن الشركة تبيع برنامجاً فحسب، بل كانت تزرع موظفيها داخل المؤسسات، وتكيّف الأدوات حسب حاجات المستخدمين.
غوثام: التوأم الرقمي للواقع
يعتمد نظام "غوثام" على دمج كل أنواع البيانات الممكنة: سجلات حكومية، اتصالات، صور أقمار صناعية، تقارير الاستخبارات، سجلات الضرائب، الكشوف المصرفية أيضا المنشورات على المنصات الاجتماعية.
لا يكتفي البرنامج بجمع البيانات، بل يقوم بإنشاء توأم رقمي للواقع. وبضع نقرات كافية ليعيد نظام غوثان بناء شبكة علاقات أي فرد، متتبعاً تحركاته وانتماءاته بدقة تثير الرعب. هذا التطور جعل من التجسس الحكومي عملية "ديمقراطية" متاحة لأي محلل، دون الحاجة لخبرات برمجية معقدة.
صُمم نظام "غوثام" في البداية لوكالات الاستخبارات الأمريكية مثل وكالة الأمن القومي ووكالة الاستخبارات المركزية ومكتب التحقيقات الفيدرالي، ويستخدم نظام "غوثام "لدمج البيانات المعقدة وتصورها واستغلالها لتسهيل اتخاذ القرارات السريعة والفعالة.
تُعتَمدُ هذه المنصة اليوم من قبل أجهزة الاستخبارات وقوات الشرطة في العديد من البلدان، بما في ذلك أوروبا. تعرف منصة Gotham بدورها في العمليات الحرجة، مثل تحديد الأهداف الرئيسية، وتستخدم في مجموعة متنوعة من السياقات بدءاً من الدفاع إلى السلامة العامة.
Palantir Foundry :منصة برمجيات لمساعدة الشركات على دمج بياناتها وتحليلها واستغلالها بفعالية. على عكس منصة Gotham، التي تستهدف بشكل أكبر وكالات الاستخبارات والأمن، صممت Foundry للشركات والمؤسسات في مجموعة متنوعة من القطاعات، للمساعدة على اتخاذ قرارات مستنيرة في الوقت الفعلي، والتعاون بفعالية عبر فرق العمل وأتمتة العمليات المعقدة. كالرعاية الصحية والطاقة والتمويل وغيرها الكثير.
تتيح Palantir Foundry إمكانية تجميع البيانات من مصادر مختلفة بشكل مركزي، وفي تقليل خوادم حفظ المعلومات، وفي إنشاء تدفقات عمل قائمة على الذكاء الاصطناعي.
استخدمته DOGE إدارة الكفاءة الإدارية بإدارة الشريك المؤسس لبيتر ثيل لشركة "باي بال " إيلون ماسك.
ظلّ عمل Palantir بعيداً عن الأضواء إلى أن جاءت تسريبات إدوارد سنودن. التي أظهرت أن Palantir قدمت أدوات مثل "XKEYSCORE Helper" لتسهيل تحليل البيانات التي جمعتها وكالة الأمن القومي الأمريكية. أتاح البرنامج للمحللين بالتنقل في كميات هائلة من البيانات الخاصة بسلاسة مثيرة للقلق.
كُشف أيضاً عن نظام Kite المخصص للمقر الحكومي للاتصالات البريطاني، مع إمكانيات استيراد قابلة للتوسع لاستيعاب أشكال بيانات معقدة. حاولت Palantir التقليل من الأمر، لكن الوثائق كانت واضحة.
كما كشفت تسريبات أخرى عن تورط Palantir في خطة استهداف ويكيليكس .
لا يقتصر نفوذ "بالانتير" على ساحات المعارك
استحوذت Palantir على عقد Maven Smart System بعد أن تخلت عنه غوغل إثر اعتراض موظفيها. يستخدم Maven الذكاء الاصطناعي لمساعدة المحللين العسكريين في تحديد الأهداف.
في أوكرانيا، كان أليكس كارب أول رئيس تنفيذي غربي يلتقي بالرئيس الأوكراني فولودومير زيلينسكي بعد الغزو الروسي عام 2022. فأصبحت برامج Palantir عصب القرار العسكري، حيث تدمج بيانات الطائرات المسيرة والأقمار الصناعية والمصادر المفتوحة لتحديد الأهداف في ثوانٍ. كما تقدم Palantir للجيش الإسرائيلي خدمات استخباراتية ومراقبة، ففي يناير 2024، أبرمت Palantir شراكة استراتيجية مع الجيش الإسرائيلي لتزويده بخدمات لمساعدته في مهامه المتعلقة بالحرب. أليكس كارب نفسه من المؤيدين الصريحين لإسرائيل. وهو ينتقد بانتظام ما يصفه بتقاعس قادة القطاع التكنولوجي الآخرين. دفع موقفه العديد من الموظفين إلى ترك Palantir
وفي يوليو 2025، وقّع الجيش الأمريكي اتفاقية ضخمة تصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار على مدى 10 سنوات لتوحيد وتبسيط شراء برامج Palantir.
كذلك تسللت بالانتير إلى الخدمات العامة. في المملكة المتحدة، فاز كونسورتيوم تقوده Palantir بعقد بقيمة 330 مليون جنيه إسترليني لإدارة منصة البيانات الموحدة لهيئة الخدمات الصحية الوطنيةNHS. في سبتمبر 2025، عززت شركة بالانتير مكانتها بشراكة دفاعية أعلنتها الحكومة البريطانية، من المتوقع أن تطلق استثمارات تصل إلى 1.5 مليار جنيه إسترليني وتجعل من المملكة المتحدة مقرهم الأوروبي للدفاع.
في فرنسا، استخدمت المديرية العامة للأمن الداخلي -DGSI- أدوات "بالانتير" لفترة طويلة قبل أن تحاول بناء بديل محلي لاستعادة السيادة الرقمية. لكن في نهاية 2025، تم تمديد العقد "مؤقتاً" في انتظار وصول الأداة السيادية الفرنسية.
الشرطة التنبؤية: عندما تقرر الخوارزميات مستقبلك
وأكثر ما يثير القلق هو استخدام إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية ICE نظام Elite Falcon، ومنصة إدارة القضايا التحقيقية -ICM- التي طورتها شركة Palantir للوصول إلى شبكة من قواعد البيانات المملوكة للحكومة الفيدرالية والقطاع الخاص، والتي تضم معلومات عن الأفراد. وقد شُجِّع عملاء إدارة الهجرة والجمارك على تحميل أكبر قدر ممكن من البيانات من العمليات الميدانية إلى تطبيق فالكون ومشاركتها مع مسؤولي الإدارة الآخرين. و هو ما يعرف "الشرطة التنبؤية". ففي لوس أنجلوس ونيو أورليانز، استُخدمت خوارزمياتهم لمحاولة تحديد مناطق أو أفراد معرضين للخطر. بعبارة أخرى، يقرر البرنامج ما إذا كان لديك ملف محتمل لمجرم مستقبلي من خلال تحليل علاقاتك الاجتماعية وسوابقك. في نيو أورليانز، عمل البرنامج لسنوات في سرية شبه تامة، دون أن يكون المجلس البلدي على علم حقيقي به، حتى كشفت الصحافة القضية. أظهرت المراجعات أن هذه الأنظمة يمكن أن تعزز التحيزات وتستهدف بعض المجتمعات بشكل غير عادل.
و من القصص المرعبة لأدوات " بالانتير" في السابع من أغسطس 2019، عاد مئات الأطفال في ولاية مسيسيبي من يومهم الدراسي الأول، يحملون حقائبهم المدرسية ويتوقعون لقاء أهاليهم . لكنهم وجدوا منازل فارغة ومصانع محاصرة بعناصر من الشرطة فيدرالية نفذت حينها إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية أكبر عملية اعتقال في تاريخها بولاية واحدة: 680 شخصاً تم توقيفهم وتقييدهم ونقلهم في شاحنات بيضاء.
لم تُنفذ هذه العملية بالطرق التقليدية، بل كشفت الوثائق التي حصل عليها الصحفيون أسم أداة FALCON Tipline، أداة طورتها شركة بالانتير لصالح فرع التحقيقات في الأمن الداخلي، استُخدمت لتجميع البيانات وتحليل الروابط والمعلومات الميدانية، وصولاً إلى تخطيط عمليات منسقة كتلك التي شهدتها المسيسيبي.كل هذا يستند إلى عقد إداري يصف FALCON كمنصة بحث وتحليل قادرة على ربط قواعد بيانات لم تكن مصممة للتواصل مع بعضها البعض. مجرد وثيقة بيروقراطية عادية، لكنها قادرة على تحطيم حياة العائلات
المعضلة الأخلاقية في عصر الذكاء الاصطناعي
تتعرض شركة Palantir Technologies لانتقادات عدة بسبب استخدام برامجها في المراقبة، ما يثير مخاوف بشأن الخصوصية. وتُعتبر شراكاتها مع الحكومات مثيرة للجدل، خاصة في مجالات الأمن والاستخبارات وإدارة أزمات اللاجئين. كل هذا يبرز تأثير بيتر ثيل على الأمن العالمي والحوكمة.
تبقى "بالانتير"، وغيرها من شركات التكنولوجيا العملاقة، تجسيداً حياً لمعضلة أخلاقية عميقة في عصر الذكاء الاصطناعي. فبين وعود الأمن والحماية من جهة، ومخاطر المراقبة الشاملة وانتهاك الخصوصية من جهة أخرى، يبقى السؤال: هل نضحي بالخصوصية والحرية مقابل وعود الأمن المطلق؟
يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل
للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@ وعلى ماستودون وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي

