01/09/2026

كيف يحول "الذباب الإلكتروني" المنصات الاجتماعية في اليمن إلى ساحات حرب بديلة؟

تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية" إلى توسع الصراع في اليمن من ساحة الواقع إلى الفضاء الرقمي وتحويل "الذباب الإلكتروني" المنصات الاجتماعية في اليمن إلى ساحات حرب بديلة.وأيضا إلى آلية "تكنولوجيا الفتنة" والقدرة على تزييف واقع الصراع في اليمن بضغطة زر. 

"تكنولوجيا الفتنة "والقدرة على تزييف واقع الصراع في اليمن بضغطة زر

تحوّل الفضاء الرقمي في اليمن، خلال سنوات الحرب، من مساحة للتواصل وتبادل الآراء إلى ميدان للصراع السياسي والإعلامي. ولم تعد المنصات الاجتماعية مثل منصة" X "-"تويتر سابقاً" و"فيسبوك" و"تيليغرام" و "واتساب" مجرد أدوات نقل خبر، بل أصبحت جزءاً من بنية الصراع نفسه، حيث برز ما يُعرف بـ "الذباب الإلكتروني" أو الجيوش الإلكترونية كأحد أبرز أدوات التأثير في الرأي العام وإعادة صياغة السرديات.

صناعة الرأي العام الوهمي عبر المنصات الاجتماعية

أحد أكثر مظاهر "الذباب الإلكتروني" وضوحاً في اليمن يتمثل في تنسيق النشاط الرقمي على منصة" X"نظراً لطبيعتها القائمة على التفاعل السريع والوسوم. فعند أي حدث عسكري أو سياسي بارز، يمكن رصد عشرات الحسابات التي تنشر خلال دقائق وسوماً موحدة أو Hashtags مثل: #اليمن، #صنعاء، #عدن، #التحالف، الحرب_في_اليمن و أحيانا أضافة وسومات تستهدف السعودية ، الإمارات أو إيران وغيرها.

وتُعاد صياغة الرسائل ذاتها تقريباً، مع اختلافات طفيفة في الأسلوب، ما يشير إلى إدارة مركزية أو توجيه منظم.في حالات كثيرة، يتم تضخيم وسوم محددة عبر إعادة التغريد المكثف، لإيصالها إلى قوائم “الأكثر تداولاً” ( الترند)، الأمر الذي يمنحها وزناً إعلامياً يفوق حجمها الحقيقي، ويخلق انطباعاً بوجود رأي عام واسع يدعم رواية معينة. والملاحظ أيضا أن رصد الحسابات بأن أغلبها أنشئت بنفس الوقت. وبعض هذه الحسابات تنتحل صفة أشخاص من مكان جغرافي محدد.

"فيسبوك": التأثير على الجمهور الأوسع

من جهة ثانية تلعب منصة "فيسبوك" دوراً أساسيا في استهداف الجمهور الأوسع داخل اليمن، خصوصاً عبر المجموعات العامة وصفحات الأخبار المحلية. هنا، يعتمد "الذباب الإلكتروني" أو "الجيش الإلكتروني" على نشر منشورات طويلة نسبياً، تتضمن تحليلات مبسطة أو قصصاً عاطفية، غالباً دون مصادر واضحة.

على سبيل المثال، تُنشر روايات حول أوضاع إنسانية أو تطورات ميدانية مرفقة بصور قديمة أو خارج سياقها، ويتم تداولها داخل مجموعات تحمل أسماء عامة مثل "أخبار اليمن الآن" أو "المشهد اليمني" ... إلخ. ما يمنحها مصداقية ظاهرية لدى المتلقين. كذلك يمكن ملاحظة أن معظم الصور أو الفيديوهات "ممكن" أن  تكون مولدة بالذكاء الاصطناعي التوليدي

"تيليغرام" و"واتساب": غرف مغلقة للتوجيه

في المقابل، تُستخدم منصة "تيليغرام" ومنصة "واتساب" كمساحات شبه مغلقة لتوزيع الرسائل الموجهة بشكل أكثر مباشرة. ففي قنوات "تيليغرام" الإخبارية، يتم تمرير بيانات أو "تسريبات" دون إمكانية التعليق أو النقاش، بينما تُستخدم مجموعات "واتساب" لنشر رسائل مختصرة وسريعة، يسهل إعادة توجيهها دون تدقيق.

تلعب هذه المنصات دوراً مهماً في نقل الرواية من مرحلة التجريب إلى مرحلة التعميم، حيث تنتقل الرسائل من الحسابات الوهمية إلى مستخدمين حقيقيين يعيدون نشرها بحسن نية.

الحرب كمسرّع لفعالية الوسوم التحريضية

تُظهر التجربة اليمنية أن الوسوم - hashtags ذات الطابع العاطفي أو التحريضي تكون الأكثر قابلية للانتشار، خصوصاً تلك التي تتضمن اتهامات أو لغة استقطابية. فعلى سبيل المثال، تنتشر وسوم تتهم أطرافاً سياسية أو مناطقية بالخيانة أو العمالة، أو تحمل طرفاً بعينه مسؤولية تدهور الأوضاع المعيشية.

هذا الاستخدام المكثف للوسوم لا يهدف فقط إلى إيصال رسالة، بل إلى تحديد إطار النقاش العام وحصره ضمن ثنائيات حادة، تُقصي الرأي المخالف وتشيطنه.

الخلط بين الحقيقة والتضليل في المحتوى المرئي

كذلك على منصات مثل "يوتيوب" و"تيك توك"، يأخذ "الذباب الإلكتروني" أو "الجيش الإلكتروني" شكلاً مختلفاً، عبر مقاطع فيديو قصيرة أو برامج تحليلية مبسطة، تعتمد على لغة واثقة وعناوين مثيرة. وغالباً ما يبدأ المحتوى بعرض حقيقة جزئية أو مشهد واقعي، ثم يُبنى عليه تفسير سياسي منحاز أو استنتاج غير مدعوم بأدلة.

هذا النمط من المحتوى، بسبب طبيعته المرئية وسهولة استهلاكه، يكون أكثر تأثيراً في فئات الشباب، وأصعب من التحليل ومراجعة المصادر.

"تكنولوجيا الفتنة": معركة وعي مفتوحة على كل المنصات

 تعتمد "تكنولوجيا الفتنة" هذه على مجموعة من الأدوات التي تندرج تحت ما يسمى "الدعاية الحاسوبية" أي" Computational Propaganda " ومن أبرزها:

- البوتات  Bots : حسابات مبرمجة للنشر التلقائي بكثافة عالية، مما يوهم المتابع بوجود "إجماع شعبي" زائف حول قضية معينة.

- حسابات الدمى Sockpuppets : حسابات تنتحل صفات أشخاص حقيقيين، تدار من غرف عمليات موحدة لشن هجمات إلكترونية أو الدفاع عن مواقف سياسية.

- خلط السُّمَّ في الدَّسَم : أسلوب خبيث يعتمد نشر جزء من الحقيقة مع كم هائل من الأكاذيب، مما يجعل تمييز الواقع عن الزيف أمراً شديد الصعوبة على المستخدم العادي.

أمام هذا الواقع، تبقى معركة الوعي الإعلامي مفتوحة، ويظل تعزيز ثقافة التحقق من المصادر، وفهم ديناميكيات الوسوم والحسابات الوهمية، شرطاً أساسياً لتحصين المجتمع من التأثيرات الخفية لهذه الحرب الرقمية.

يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل

للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@  وعلى ماستودون  وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي