02/08/2026

وقائع احتضار معلن لصحيفة الواشنطن بوست الأمريكية

تواجه وسائل الاعلام التقليدية مثل الصحف والمجلات والإذاعات ووكالات الأنباء وشبكات التلفزيون، منافسة تاريخية من مواقع التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، أدت إلى اختفاء بعض وسائل الإعلام التقليدية كليا، أو إرغام بعضها الآخر على التخلص من الصحافة المكتوبة، واللجوء إلى الإعلام الرقمي. هذه التحولات الجذرية، غيرت من عمل وطبيعة ملكية هذه الوسائل التي امتلكتها الشركات الكبرى أو أصحاب الثروات الكبيرة.

صدمت الأوساط الإعلامية والسياسية في الولايات المتحدة قبل أيام، حين أعلنت صحيفة الواشنطن بوست، التي يملكها رجل الأعمال الملياردير جيف بيزوس، أنها ستسرح حوالي ثلث موظفيها، وإلغاء أقسام بكاملها أو تقليص أقسام أخرى بسبب الخسائر المالية.

وللمرة الأولى منذ عقود، لن يكون للصحيفة مكاتب في الشرق الأوسط والهند وأستراليا، كما سينخفض عدد المراسلين الذي يغطون الصين وإيران وتركيا. وحتى مكتب الصحيفة في أوكرانيا لم ينجو من سيف التسريح.

وكانت الواشنطن بوست وشعارها "الديموقراطية تموت في الظلام" لأجيال طويلة من أهم المطبوعات الاميركية.

واشتهرت بتحقيقاتها الاستقصائية، مثل نشر ما كان يعرف بأوراق البنتاغون مع صحيفة نيويورك تايمز في بداية عقد السبعينات حول التضليل المقصود الذي مارسته الإدارات الأمريكية حول حقيقة حرب فيتنام.

ولحق ذلك كشف الواشنطن بوست عن فضيحة ووترغيت، وهي أهم فضيحة سياسية في تاريخ البلاد، أدت إلى استقالة الرئيس الأمريكي الوحيد ريتشارد نيكسون.

واتسمت تغطيتها لحربي أفغانستان والعراق بدقة كبيرة.

كما نشرت تحقيقات عميقة لمحاولة الرئيس ترامب وأنصاره منع انتقال السلطة لخلفه جوزيف بايدن.

وقبل أكثر من عشر سنوات واجهت الصحيفة أزمة مالية خانقة أرغمت العائلة التي نشرتها وقادتها لأجيال، وأوصلتها إلى أقصى نفوذها لبيعها إلى جيف بيزوس، الذي وقف وراء الصحيفة عندما دخلت في خلافات علنية وحادة مع الرئيس دونالد ترامب في ولايته الأولى، مما عرضه لانتقادات لاذعة من ترامب.

ولكن عندما ازدادت فرص ترامب بالعودة إلى البيت الأبيض، حيث وعد الأمريكيين بالانتقام من خصومه، عّدل جيف بيزوس وغيره من الأثرياء الكبار من مواقفهم تجاه ترامب للتهرب من عقابه، وبدأوا بتقديم التبرعات المالية لحملته، حيث قام بيزوس بالتبرع بمليون دولار لتمويل حفل تنصيب ترامب.

وقبل الانتخابات بأسابيع، منع بيزوس الصحيفة من نشر افتتاحية تؤيد ترشيح كمالا هاريس لمنصب الرئاسة، ما أدى إلى إلغاء عشرات الآلاف من القراء لاشتراكاتهم .

وتبع ذلك تدخل بيزوس  السافر في صفحة الآراء حين طلب حصر التعليقات بالدفاع عن الحريات الشخصية والأسواق الحرة مدعيا ان شبكة الانترنت هي الموقع الأفضل للآراء الاخرى.

ورأى العديد من نقاد بيزوس والموظفين السابقين في الصحيفة أن هذه التغييرات تمثل تحولا جذريا باتجاه استرضاء الرئيس ترامب واليمين السياسي.

وفي خطوة تنضح بالمنفعة الشخصية، أنتجت الشركات التي يملكها بيزوس فيلما وثاقيا باسم ميلانيا، زوجة الرئيس ترامب، بقيمة خمسة وسبعين مليون دولار، كانت حصة ميلانيا منها أكثر من ثمانية وعشرين مليون دولار، بصفتها منتجة للفيلم.

قبل أيام نشرت الكاتبة آشلي باركر، الصحفية السابقة في الواشنطن بوست مقالا بعنوان " جريمة قتل الواشنطن بوست" اتهمت فيه بيزوس بخنق الصحيفة تدريجيا.

مأزق الواشنطن بوست، يعكس أزمة خطيرة تواجهها الصحافة الحرة والمستقلة في الولايات المتحدة والعالم، مع التقنيات الجديدة، ومع سيطرة الشركات والأثرياء على وسائل الاعلام، ومع تراجع الصحافة الحرة أمام الممارسات السلطوية وغير الديموقراطية.