01/20/2026

كيف أعاد دونالد ترامب تعريف التواصل السياسي والدبلوماسي في العصر الرقمي في البيت الأبيض مع منصة تروث سوشيال؟

تتطرق نايلة الصليبي في "النشرة الرقمية"  إلى أسلوب التواصل السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعاد تشكيل التواصل السياسي من البيت الأبيض عبر منصته " تروث سوشيال ".

كيف حول دونالد ترامب  «تروث سوشيال» إلى أسلوب حكم رقمي

أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رسم حدود التواصل السياسي والدبلوماسي عبر اعتماده المكثف على منصة "تروث سوشيال" بوصفها قناته الأساسية لمخاطبة الداخل الأمريكي والعالم الخارجي. ولم يكن هذا التحول وليد اللحظة، بل امتدادًا لتجربة بدأها خلال ولايته الأولى، حين حوّل منصة تويتر إلى أداة مباشرة لممارسة السلطة السياسية عبر 280 حرفًا، في تجربة شكلت "مختبرًا" مبكرًا لما أصبح لاحقًا نهجًا متكاملًا في الحكم الرقمي.

أطلق دونالد ترامب منصة "تروث سوشيال" في فبراير 2022، عقب حظره من تويتر، باعتبارها فضاءً بديلًا لما وصفه بـ«حرية التعبير». ومع عودته إلى البيت الأبيض في يناير 2025، لم تعد المنصة مجرد وسيلة تواصل، بل تحولت إلى أداته اليومية الأولى للإعلان عن السياسات، وتحديد المواقف، والتعليق على القضايا الدولية، بل وإدارة تفاعلات دبلوماسية مباشرة.

تهميش الإعلام التقليدي والسيطرة على السردية

نجح دونالد ترامب، عبر منصته الخاصة "تروث سوشيال "، في تهميش المؤسسات الإعلامية الكبرى، إذ بات حسابه المصدر الأول للخبر، متقدمًا في كثير من الأحيان على البيانات الرسمية ووكالات الأنباء. وأجبر هذا الواقع وسائل الإعلام على التحول من صانعة للخبر إلى مجرد متلقٍ ومفسر لما ينشره الرئيس، في انعكاس واضح لانقلاب أدوار غير مسبوق في العلاقة بين السلطة والإعلام.

وتعكس مؤشرات النشاط الرقمي وتيرة نشر استثنائية، حيث لا يكتفي ترامب بمنشورات يومية منتظمة، بل يصل أحيانًا إلى كثافة لافتة. ففي إحدى الأمسيات، نشر 158 منشورًا خلال ثلاث ساعات فقط، بمعدل يقارب منشورًا واحدًا في الدقيقة، في محاولة واضحة للهيمنة الكاملة على النقاش العام وتوجيهه دون وسطاء.

«وزارة خارجية رقمية» بديلة

اللافت في تجربة ترامب الرقمية هو توظيف "تروث سوشيال" كمنصة دبلوماسية فعلية. فبدل البيانات الرسمية والمؤتمرات الصحفية، باتت منشوراته تحمل رسائل سياسية موجهة مباشرة إلى حكومات وقادة دول، ما دفع مراقبين لوصف المنصة بأنها "وزارة خارجية رقمية" بديلة، تتجاوز الأطر المؤسسية التقليدية.

في سبتمبر 2025، أعلن ترامب عبر المنصة أن أوكرانيا "في وضع يسمح لها بالقتال واستعادة كامل أراضيها"، وهو تصريح اعتبره الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «"تحولًا كبيرًا" في الموقف الأمريكي. كما استخدم المنصة لنشر صور مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي في سياق قضايا دولية حساسة، منها ما رافق حادثة اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، إضافة إلى تهديدات علنية للدول الأوروبية المعارضة لمشاريع تتعلق بغرينلاند، مرفقة بصور تهكمية مولدة رقميًا.

لم تقتصر استخدامات ترامب للمنصة على التصريحات، بل امتدت إلى ممارسة ضغط دبلوماسي مباشر، سواء عبر التهديد بالإقصاء من محافل دولية، أو توجيه انتقادات علنية لقوى كبرى مثل الصين وروسيا وكوريا الشمالية.

وفي سابقة أثارت جدلًا واسعًا، أعلن الرئيس ترامب وقفًا لإطلاق النار بين الهند وباكستان عبر "تروث سوشيال" قبل صدور أي بيان رسمي من وزارة الخارجية الأمريكية، ما عزز الانطباع بأن المنصة باتت قناة دبلوماسية أولية، تتقدم أحيانًا على المؤسسات الرسمية نفسها.

لماذا يفضل ترامب منصته الخاصة "تروث سوسيال"؟

يفسر مراقبون هذا التفضيل بعدة عوامل، أبرزها التحكم الكامل في الرسالة. فغياب التحرير الصحفي والأسئلة النقدية يمنح ترامب حرية مطلقة في صياغة خطابه وتوقيته. كما أن علاقته المتوترة تاريخيًا مع وسائل الإعلام، التي يتهمها بالتحيز ضده، دفعته إلى البحث عن قناة تواصل مباشرة مع مؤيديه، بعيدًا عن ما يصفه بـ"التشويه الإعلامي".

وتوفر المنصة سرعة استجابة عالية للأحداث، تتيح له التعليق الفوري على الأزمات، وحشد قاعدته الشعبية، والحفاظ على علاقة مباشرة معها، بما يعزز نفوذه السياسي والإعلامي في آن واحد.

علاقة مشروطة مع الإعلام التقليدي

ورغم هذا التحول، لم ينقطع الرئيس الأمريكي كليًا عن الإعلام التقليدي، لكنه أعاد صياغة العلاقة وفق شروطه الخاصة. فقد شارك في مئات الفعاليات الإعلامية خلال عامه الأول من ولايته الثانية، إلا أن معظمها اقتصر على تفاعلات سريعة وأسئلة مقتضبة، مثل التصريحات الجانبية قرب المروحية الرئاسية "مارين وان" أو على متن الطائرة الرئاسية "إير فورس وان"، حيث يختار الأسئلة التي يجيب عنها ويغادر متى شاء. ويختلف هذا النهج جذريًا عن المؤتمرات الصحفية التقليدية، التي تفرض على الرئيس مواجهة أسئلة متعددة ومفتوحة.

تداعيات دولية واستقطاب متصاعد

على الصعيد الدولي، غيّر هذا الأسلوب كيفية تفاعل القادة مع الولايات المتحدة. فقد باتت منشورات الرئيس الأمريكي  دونالد ترامب تُقرأ وتُفسر على أنها مواقف رسمية تستوجب ردود فعل فورية. بعض القادة اختاروا مجاراة هذا النهج برسائل إشادة علنية، فيما استخدم ترامب المنصة للتعبير عن امتعاضه من أطراف أخرى، محولًا الفضاء الرقمي إلى ساحة ضغط دبلوماسي مفتوحة.

بين «ثورة في الشفافية» ومخاوف مؤسسية

يرى أنصار ترامب في هذا الأسلوب ثورة في الشفافية والتواصل المباشر، بينما يثير قلقًا عميقًا لدى الأوساط السياسية والقانونية. إذ يحذر المنتقدون من أن "الدبلوماسية الرقمية" ذات الطابع الشخصي والحاد لا تنسجم مع موقع الرئاسة، فضلًا عن مخاطر نشر معلومات مضللة أو محتوى بصري غير موثق، وتهميش دور مؤسسات عريقة مثل وزارة الخارجية، بما قد يؤدي إلى ارتباك في فهم السياسة الخارجية وتعميق الاستقطاب الداخلي.

لم تعد "تروث سوشيال" مجرد منصة اجتماعية في تجربة دونالد ترامب، بل تحولت إلى أداة حكم وتأثير دبلوماسي، تعيد تشكيل ملامح السلطة في العصر الرقمي. ويبقى السؤال مفتوحًا حول انعكاسات هذا الاستخدام على الشفافية، ودور الإعلام في المحاسبة، ومستقبل الخطاب السياسي والدبلوماسي في الديمقراطيات الحديثة.

يمكن الاستماع لـ "بودكاست النشرة الرقمية" على مختلف منصات البودكاست. الرابط للبودكاست على منصة أبل

للتواصل مع نايلة الصليبي عبر صفحة برنامَج"النشرة الرقمية"من مونت كارلو الدولية على لينكد إن وعلى تويتر salibi@  وعلى ماستودون  وبلوسكاي عبر موقع مونت كارلو الدولية مع تحيات نايلة الصليبي