02/05/2026

جمانة حداد: كان يا ما كان

كان يا ما كان، كان هناك زمنٌ ينتظر فيه اللبنانيون نشرات الأخبار المحلية مثلما ينتظر المرء نتيجة تحاليل دمه: قلقين، مذعورين، على أعصابهم، وإن تظاهروا بالتماسك. كيف لا والأخبار عندنا كانت تعني شيئاً واحداً: المزيد من الموت، المزيد من الانهيار، المزيد من الأدلة على أننا "لسنا بخير".

رغم ذلك كنّا نتابعها. كنّا نعرف أسماء جميع الوزراء والنواب وزعماء الحرب، ونحفظ التحالفات والخيانات والعداوات مثلما يحفظ طفلٌ جدول الضرب. نعلم مَنْ صافح مَنْ أمام الكاميرا ومَن طعن مَن في ظهره بعد خمس دقائق. أجل، كنا مدمنين فوضانا. لا لأنها مسلية، بل لأنها فوضانا نحن: منزليّة الصنع، لبنانية مئة في المئة، كمنقوشة الصعتر.

أما الآن، فنكاد نمرّ على عناوين الأخبار المحلية مرور الكرام. لا نقرأ التفاصيل. لا نبالغ في التحليل. لا نصدّق معظمها أصلاً. بدلاً من ذلك، نفتح سي ان ان وفوكس نيوز كما لو أنهما تتنبّآن بالمستقبل.

قد لا نعرف مَنْ قال ماذا في مجلس وزرائنا، لكننا قادرون على اقتباس آخر تصريح من البيت الأبيض كأنه استظهار حفظناها عن ظهر قلب، وعلى تحليل نبرة المتحدثة باسم الإدارة الأميركية كأنها طبيبتنا الشرعية.

لا أعني بذلك أننا صرنا أقل تسيّساً، بل على العكس من ذلك تماماً: فاللبناني مسيّس حتى في اختياره نوع الجبنة التي يشتريها. لكننا انتقلنا ببساطة من متابعة مهرّجي الداخل إلى متابعة السيرك العالمي، لأن السيرك العالمي هو المكان الذي تُتخذ فيه القرارات فعلياً.

هكذا بات غالبية اللبنانيين يعرفون ماذا كتب ترامب اليوم، أي ربطة عنق ارتدى، وعلى مَن تمسخر. نناقش أحواله وأمزجته كما لو أنه يدير حياتنا اليومية، لأننا بتنا مضطرين الى الاعتراف بالحقيقة القاسية التي لم يعد أحدنا يملك طاقة إنكارها: لبنان لا يُدار في بيروت. هو يُدار في واشنطن (وموسكو وبكين وطهران والرياض والدوحة وباريس وأنقرة ووو…)

كان يا ما كان، كنا نصدّق أن انتخاباتنا "بتقدّم وبتأخّر". أن نوابنا "بيشيلوا الزير من البير". أن حياتنا السياسية ليست مسرحية رديئة الإخراج. لكننا تعبنا من التصديق، وتعبنا من التمثيل.

لأجل ذلك، صرنا نتابع أخبار أميركا أكثر من أخبارنا. فهناك تُوقَّع الموازنات، وتُعلَن العقوبات، وتُرسم الخطوط الحمر، وتُمنح الإشارات الخضراء، وتُقرر الحروب، وتُبرّر القنابل- دائماً بكلماتٍ أنيقة، ودائماً بدماء ليست أميركية. لأجل ذلك صرنا نستيقظ كل صباح ونفتح الإعلام الأميركي كمن يقطف بتلات زهرة هامساً: رح يهجم. ما رح يهجم. في حرب. ما في حرب... 

نعم، نحن نعرف تماماً ماذا كتب ترامب اليوم. لأن ما كتبه اليوم هو في الغالب أهمّ مما سيقوله مسؤولونا غداً.