تتجه الساحة الإعلامية البريطانية إلى منعطف حاسم مع إبرام مجموعة ديلي ميل أند جنرال تراست، المالكة لصحيفة ديلي ميل، صفقة للاستحواذ على صحيفة ذي تليغراف، إحدى أعرق الصحف المحافظة في المملكة المتحدة. هذه الخطوة لا تمثل مجرد عملية بيع وشراء بين مؤسستين إعلاميتين، بل تحمل في طياتها تحولا عميقا في موازين القوى داخل الإعلام اليميني وتأثيره في الحياة السياسية البريطانية.
يأتي هذا الاستحواذ بعد فترة طويلة من الغموض الذي أحاط بمستقبل التلغراف، إثر تعثر أو انسحاب صفقات سابقة وارتباط الصحيفة بمشكلات مالية لدى مالكيها السابقين. ومع دخول ديلي ميل على الخط، يُعاد ترتيب المشهد بطريقة تجعل من المجموعة الجديدة واحدة من أكبر التكتلات الصحفية ذات التوجه المحافظ، تجمع تحت مظلتها عناوين شعبوية واسعة الانتشار وأخرى نخبوية موجهة إلى قرّاء النخبة السياسية والاقتصادية. هذا التركيب يمنح المالك الجديد قدرة أكبر على مخاطبة الشرائح المختلفة داخل الطيف اليميني من القاعدة الشعبية حتى قلب المؤسسة التقليدية.
من الناحية السياسية، يُنظر إلى ديلي ميل باعتبارها رمزاً لصحافة شعبوية محافظة تشتهر بحملاتها القوية في قضايا الهجرة والهوية والعلاقة مع أوروبا، بينما تتمتع التلغراف بصورة الصحيفة المرجعية للنخبة المحافظة وصانعي القرار. الجمع بين هذين الأسلوبين التحريريين داخل مجموعة واحدة يثير مخاوف من تشكل كتلة إعلامية يمينية ضخمة قادرة على التأثير المتزامن في الرأي العام العريض وفي دوائر السلطة، خصوصاً في سياق اشتداد المنافسة بين المحافظين التقليديين والتيارات الشعبوية الجديدة. في المقابل، يحرص المالك على التأكيد أن غرف الأخبار ستبقى مستقلة وأن لكل صحيفة شخصيتها وهويتها الخاصة.
اقتصادياً، تعكس الصفقة أزمة أعمق تعيشها الصحافة الورقية في أوروبا والعالم، حيث تبحث المؤسسات الكبرى عن الحجم والتكتل كوسيلة للبقاء أمام تآكل الإعلانات التقليدية وصعود المنصات الرقمية العملاقة. امتلاك شبكة من العناوين القوية يتيح للمجموعة مشاركة البنى التحتية، وتوحيد بعض الخدمات، والاستثمار بكثافة في الاشتراكات الرقمية والتوسع في أسواق خارجية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تنظر إليها التلغراف بوصفها ساحة واعدة للنمو. كما يمنح هذا التكتل قدراً أكبر من الاستقرار النفسي والمهني للعاملين في التلغراف بعد سنوات من عدم اليقين حول مستقبل مؤسستهم.
مع ذلك، يثير هذا النوع من الاندماج تساؤلات عميقة حول مستقبل التعددية الإعلامية في بريطانيا، إذ تخشى أوساط سياسية ومدنية من أن يتحول تركّز هذا الكم من الصحف المؤثرة في يد مالك واحد إلى أداة قوية لصياغة السردية العامة لصالح توجه سياسي معين، حتى لو بقيت التحريرات شكلياً منفصلة. السلطات التنظيمية تجد نفسها أمام معادلة صعبة: من جهة حاجة الصحافة التقليدية إلى الاندماج لإنقاذ نماذج أعمالها، ومن جهة أخرى ضرورة حماية التنوع وضمان ألا يتحول الإعلام المكتوب إلى كتلة متجانسة تميل بثقلها لجهة واحدة من الطيف السياسي. لذلك يُتوقَّع أن تخضع الصفقة لتدقيق سياسي وقانوني، حتى لو كان المناخ العام أكثر تفهماً لحجج البقاء والقدرة على المنافسة في عصر المنصات الرقمية.


