تصدَّرت صحيفة «همشـهري» الإيرانية المحافظة اليوم صفحتها الأولى بصورة صاروخ باليستي ضخم ملوَّن بألوان العلم الإيراني يتجه نحو السماء، تحيط به مشاهد لطائرات مقاتلة، وقطع بحرية أميركية، وقواعد عسكرية إسرائيلية، في لوحة دعائية توحي بأن المنطقة على أعتاب مواجهة شاملة بين طهران وخصومها في واشنطن وتل أبيب. وقد وضعت الصحيفة على هذه الصورة عناوين نارية تتوعّد الولايات المتحدة وإسرائيل بردّ قاسٍ إذا ما أقدمتا على أي «خطأ» ضد إيران، في سياق تصعيد لغوي متراكم في الإعلام المرتبط بالمؤسسة العسكرية الإيرانية.
جاء في الصفحة الأولى قول الصحيفة إن «ترامب ونتنياهو سيُحاكمان ويُعاقبان، هذا هو إيران، أي خطأ سيقابَل بردّ»، في صياغة تُحمِّل القيادتين الأميركية والإسرائيلية مسؤولية مباشرة عن أي مواجهة مستقبلية، وتُضفي على الصراع بعداً قضائياً وأخلاقياً يتجاوز مجرد الردّ العسكري. كما أكدت العبارات المنشورة أن «أي جندي أميركي في المنطقة لن يكون في أمان»، وأن «عشرات القواعد الأميركية في المنطقة ستكون الأهداف الأولى لإيران»، في رسالة ردع واضحة تُوجَّه إلى الوجود العسكري الأميركي الممتد من الخليج إلى شرق المتوسط.
الخطاب التصعيدي شمل أيضاً إسرائيل، إذ شددت الصحيفة على أن «الصواريخ الإيرانية ستسحق البنية التحتية في الأراضي المحتلة»، وأن «البحرية الإيرانية ستُغرِق السفن الحربية الأميركية»، بينما «القواعد العسكرية الإسرائيلية، كما في حرب الاثني عشر يوماً، تقع ضمن مدى صواريخنا»، في استعادة متعمَّدة لصور الصواريخ والمسيرات التي استخدمتها طهران وحلفاؤها في جولات سابقة من المواجهة. وتستند هذه اللغة إلى ترسانة صاروخية تقول وسائل الإعلام القريبة من الحرس الثوري إنها قادرة على ضرب عمق إسرائيل والقواعد الأميركية في المنطقة، وهو ما سبق أن روَّجت له الصحيفة نفسها في أعداد سابقة عبر خرائط وصور لصواريخ باليستية مختلفة المدى.
صحيفة «همشـهري» (وتعني «الهمشهري» أو «الجار») هي يومية إيرانية واسعة الانتشار تصدر بالفارسية منذ أوائل التسعينيات، وتُعد من أبرز الصحف التي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة من خطّ إصلاحي نسبي إلى منصة تعبّر عن الخط المحافظ القريب من الحرس الثوري. تتخذ الصحيفة من طهران مقراً لها، وكانت في بداياتها صحيفة بلدية العاصمة، قبل أن تتوسع إلى شبكة إعلامية تضم موقعاً إلكترونياً وملاحق متخصصة، وتلعب اليوم دوراً مؤثراً في تشكيل الرأي العام، خاصة عندما تتبنى قضايا السياسة الخارجية والأمن القومي.
ويقرأ مراقبون هذه الصفحة الأولى بوصفها جزءاً من حرب الرسائل المتبادلة بين طهران وخصومها، إذ تلجأ وسائل الإعلام المرتبطة بالمؤسسة العسكرية إلى إبراز الصواريخ والقدرات البحرية والجوية لإيران كلما تصاعدت التهديدات أو الاغتيالات والاستهدافات المتبادلة في سوريا والعراق وغزة. كما تعكس هذه اللغة النزعة المتزايدة داخل التيار المحافظ الإيراني إلى توظيف الصحافة كمنبر للدعاية الردعية، عبر الجمع بين صور القوة العسكرية والخطاب الديني – الثوري الذي يقدم أي مواجهة محتملة باعتبارها دفاعاً عن السيادة والهوية، لا مجرد رد على استهداف عسكري محدود.


