يتزايد حضور جماعات الصحفيين العاملين بنظام القطعة في فرنسا كصيغة تنظيمية مرنة لإنتاج محتوى معلوماتي متعمّق لصالح غرف أخبار باتت أقل قدرة على تحمّل الكلفة. هذه الجماعات ليست هيئات تمثيل ولا أذرعاً نقابية؛ إنها شبكات إنتاج تجمع صحفيين اختاروا العمل الحر لاستعادة معنى مهنتهم بعيداً عن «خبر التدفق» السريع، والتركيز على التقارير الطويلة والتحقيقات المتخصصة والقصص المبنية على البيانات، في بيئة يشتد فيها الضغط الاقتصادي على وسائل الإعلام.
تتشكل هذه الجماعات بأحجام صغيرة غالباً، من ثلاثـة إلى ثلاثين صحفياً، وتتنوع في البنية بين جمعيات رسمية وتنسيقات غير مُسجّلة. بعضها عام ومتعدد الوسائط، وبعضها يعلن تخصصاً واضحاً في التحقيق الاستقصائي أو التقرير الميداني أو الصحافة الحلولية أو الاقتصاد. ينتشر كثير منها محلياً في باريس وليون ومارسيليا وبريتاني، وأخرى تعمل عبر كامل فرنسا وخارجها، لكن المشترك بينها ليس نموذج التنظيم بقدر ما هو دينامية إنتاج خارج هيكلية التحرير التقليدية.
الرافعة الأولى لهذه الصيغة هي التضامن المهني لمواجهة العزلة: قراءة الأفكار وتبادل دفاتر العناوين وترشيح قصص وتنسيق الوصول إلى المصادر، مع اجتماعات دورية أشبه بـ«مؤتمرات تحرير» داخلية. تمتد المنافع إلى مشاركة الأدوات التقنية والمساحات، وتدريب الزملاء الأصغر خبرة عبر إرشاد عملي أو تبادل المهارات (من تصوير أفضل إلى تنسيق المشاريع)، مصحوباً بوقت للاعتناء بالحالة النفسية في مهن تتطلب مواجهة مواقف صادمة، خصوصاً في التحقيقات الميدانية والحروب.
الهشاشة الاقتصادية تؤطر هذا المشهد. تشير بيانات لجنة بطاقة الصحافة لعام 2025 إلى أن ربع الصحفيين يعملون بنظام القطعة أو بعقود محددة، وترتفع النسبة إلى 63,31% لدى من هم في الثلاثين أو أقل. وفي القطاع الرقمي المستقل، بلغت الهشاشة بين أعضاء اتحاد الصحافة المستقلة الرقمية SPIIL نسبة 67,71% وفق استقصاء مشترك بين SPIIL وأوديانس. كثيرون لا ينالون البطاقة أصلاً بسبب تدني الدخل أو اعتمادهم وضع «العاملين المتقطعين» لدى شركات الإنتاج السمعية البصرية أو الدفع بالفواتير وحقوق المؤلف، ما يُفاقم عدم اليقين ويجعل تشكيل جماعات إنتاج ردّاً عملياً على واقع العمل الحر.
مع ذلك، لا تقف هذه الجماعات عند الدفاع؛ فهي تبادر إلى تصميم مشاريع مشتركة تركّز على «الطويل والبطيء والمتعمّق»: تحقيقات عابرة للقارات، قواعد بيانات للظواهر المعقدة، وتقارير معمّقة تتطلب ميزانيات زمنية ومعرفية لا تستطيع غرف الأخبار تخصيصها بثبات. حين يقود جماعة كاملة مشروعاً مثل «نساء مستهدفات» أو ملفات بيئية من نوع «آرغوس»، يتعلم بعض الأعضاء صحافة البيانات ويتولى آخرون مهام التنسيق، وينتج عن هذا العمل محتوى جاهز للنشر بعمق تحليلي واضح.
على مستوى الطلب، تشكّل وسائل الإعلام المستقلة الرقمية بيئة طبيعية لهذه الجماعات. منصات التحقيق والريبورتاج التي تعتمد نماذج اشتراك وتمويل جماعي مثل «ديسكلوز» و«لي جورنال» المحلية تحتاج إلى محتوى عالي القيمة تنتجه فرق خارجية بخبرة متخصصة، مع تلازمٍ بين الجماعات ووسائل النشر وصناديق مثل «صندوق الصحافة الحرة» الذي يمنح منحاً لمشاريع تُنشر لاحقاً لدى تلك الوسائل المساهمة في تمويله. هذا التبادل يؤسس منظومة تعتمد على الجودة المدفوعة والارتباط الوثيق بين الإنتاج والتوزيع.
في المقابل، تعتمد وسائل عامة وجماهيرية موجّهة لقراء ومشاهدين ذوي قدرة إنفاق عالية على نفس المنطق: محتوى يُبرّر الاشتراك عبر تحقيقات موثوقة ومُحكَمة، في الصحافة المكتوبة والرقمية وعلى الإذاعات والتلفزيونات مثل «أرتي» و«فرانس كولتور» و«فرانس إنتر» و«آر إف آي» و«فرانس 24». ومع ضغوط اقتصادية ومؤسسية على خدمات الإعلام العام، يصبح اللجوء إلى إنتاج خارجي محترف وأقل كلفة ضرورة تنظيمية.
إلى جانب ذلك، تسهم الصحافة المتخصصة والمهنية والمجلات في استقرار دخل أفراد الجماعات، إذ تظل تقليدياً من أكبر مستخدمي العمل الحر. في مرحلة نماذج أعمال هشة، تقدّم الجماعات مزيجاً من الدراية والسعر المنضبط، وتدعم السوق ببرامج إرشاد («منتورينغ») لسد فجوات تكوين المدارس، وهو ما يعيد تدوير الخبرة ويقلّص مخاطر الدخول للمهنة.
المحصلة أن جماعات الصحفيين توفّر للناشرين محتوى طويلاً جاهزاً وعالي الجودة، بكلفة مضبوطة وقابل للتمويل المشترك عبر التبرعات والبرامج العامة الأوروبية أو عبر امتدادات نشر خارج الإعلام، مثل الكتب والوثائقيات والبودكاست والمعارض. لكنها في الوقت نفسه ثمرة مباشرة لأزمة عوائد الإعلام: فقدت الصحافة المكتوبة والرقمية نحو ثلث إيراداتها خلال خمسة عشر عاماً، ما يدفع غرف الأخبار إلى تعهيد التحقيقات عالية القيمة ويترك الجماعات رهينةً لدورات السوق والبيئة القانونية والاجتماعية للعمل الحر.


