يستقطب تكوين الأمير مولاي الحسن اهتمام المراقبين منذ الإعلان عن التحاقه بجامعة محمد السادس متعددة التخصصات، بما تمثله هذه المؤسسة من رهان استراتيجي للدولة على مستوى إعداد النخب العلمية والإدارية. فاختيار ولي العهد متابعة دراساته العليا في جامعة مغربية حديثة التأسيس، ذات طموح دولي واضح، يقدم إشارة دالة على رغبة المؤسسة الملكية في ربط مسار الجيل الجديد من القيادة السياسية بمؤسسات التعليم الوطني التي تسعى إلى ترسيخ صورة الابتكار والانفتاح. ضمن هذا المسار التعليمي، برزت معلومة تخص انفتاحه على اللغة الصينية إلى جانب اللغات التي يتقنها، بما يمنح بعدا إضافيا لقراءته كصورة عن تحولات تدريجية في تصور المغرب لعلاقاته مع القوى العالمية الصاعدة.
تقدّم اللغة الصينية اليوم إحدى بوابات الفهم العميق لمشاريع الصين الاقتصادية والدبلوماسية، ولا سيما مبادرة الحزام والطريق التي تمتد نحو إفريقيا والمغرب العربي. وفي حالة ولي العهد المغربي، يكتسب الانخراط في دراسة هذه اللغة دلالة خاصة، لأنه يتجاوز البعد الثقافي ليتصل بالتحضير المبكر لمهام تمثيل الدولة والتعامل المباشر مع شركاء آسيويين في مجالات الاستثمار والطاقة والبنى التحتية والذكاء الاصطناعي. كما أن إتقان لغة بلد شريك اقتصادي مهم يوفر أدوات إضافية للتفاوض واستيعاب تفاصيل السياسات العمومية المقارنة والنقاشات الفكرية الدائرة في مراكز البحث والجامعات الصينية، بما يوسع هامش المبادرة في صناعة القرار الدبلوماسي في المستقبل.
تتموضع جامعة محمد السادس متعددة التخصصات، التي يتابع فيها الأمير دراسته، كمختبر يجمع بين التكوين الأكاديمي المتقدم والشراكات الدولية في مجالات الهندسة والطاقات المتجددة والعلوم الاجتماعية التطبيقية. ويتيح حضور ولي العهد في هذا الفضاء الجامعي، المعروف باستقطابه لطلبة من مختلف جهات المغرب ومن بلدان إفريقية عديدة، نوعا من الاحتكاك اليومي بين النخبة السياسية المستقبلية وأطر علمية شابة، ما يغذي تصوراً عن قيادة أكثر التصاقا بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الجارية. في هذا السياق، يبدو توسيع رصيده اللغوي ليشمل الصينية امتدادا طبيعيا لمشروع تكوينه داخل مؤسسة تسعى إلى إنتاج كفاءات قادرة على التفاعل مع عوالم معرفية متعددة، بعيداً عن الاقتصار على الثنائية العربية ـ الفرنسية أو إضافة الإنجليزية فقط.
من زاوية رمزية، يحمل اختيار تعلم الصينية من طرف ولي العهد رسالة مضمرة حول إعادة توزيع الاهتمام اللغوي والثقافي في أعلى هرم الدولة. فالمغرب يرتبط تاريخياً بفضاءين رئيسيين هما أوروبا الغربية والعالم العربي، وشكلت اللغتان الفرنسية والإسبانية ثم الإنجليزية أدوات التواصل الأساسية مع هذه الدوائر. غير أن بروز الصين كلاعب اقتصادي وسياسي أساسي في إفريقيا والمتوسط يدفع دول المنطقة إلى إعادة تقييم خريطتها اللغوية بما ينسجم مع شبكة شراكاتها المستقبلية. في هذا الإطار، يقدم توجه الأمير نحو اللغة الصينية إشارة إلى أن النخبة الحاكمة تستوعب هذا التحول وتستعد له على مستوى التكوين الفردي، بما يمنح الأجيال المقبلة من الدبلوماسيين والمسؤولين نموذجاً يحتذى في تنويع أدوات المعرفة.
لا يمكن عزل هذا الاختيار اللغوي عن مسار السياسة الخارجية المغربية خلال السنوات الأخيرة، حيث عملت الرباط على تنمية علاقاتها مع بكين في مجالات الاستثمار والصناعة والتعاون الصحي والثقافي. وقد ترافق هذا المسار مع حضور أكبر للشركات الصينية في مشاريع البنية التحتية بالمغرب، وتزايد برامج التبادل الجامعي والبحثي بين مؤسسات البلدين. عندما يتجه ولي العهد إلى تعلم لغة هذا الشريك، فإنه يعكس إدراكاً لأهمية بناء جسور مباشرة مع النخبة الصينية، بعيداً عن وسطاء لغويين أو ثقافيين، بما يسمح بتقليص سوء الفهم وتعزيز الثقة المتبادلة. كما يفتح المجال أمام حوار استراتيجي على المدى الطويل، يرتكز على معرفة دقيقة بالمرجعيات الفكرية والقانونية التي تتحرك داخلها السياسة الصينية.
من ناحية أخرى، يندرج تعلم الصينية ضمن تصور أوسع لإعداد ولي العهد لمتطلبات الحكم في زمن تزداد فيه تشابكات الاقتصاد العالمي وتعقيدات الملفات الجيوسياسية. فالمعرفة اللغوية لم تعد مجرد مهارة ثانوية تضاف إلى السيرة الذاتية، بل أضحت أداة عمل يومية لتفكيك الخطابات الرسمية وقراءة الصحافة المتخصصة ومتابعة النقاشات الداخلية في الدول الشريكة. وعندما يراكم قائدٌ مستقبلي لغات متنوعة، تتسع أمامه إمكانات المقارنة بين نماذج الحكم والسياسات العامة وتجارب التنمية، فيستطيع بناء مواقف أكثر استناداً إلى معطيات مباشرة بدلاً من الاعتماد على ترجمات أو تقارير وسيطة قد تحجب بعض التفاصيل الدقيقة.
يساهم هذا المسار أيضاً في ترسيخ صورة جيل جديد من الأمراء في المنطقة المغاربية يعتمد تكويناً جامعياً منظماً في مؤسسات وطنية أو أجنبية، بدل الاقتصار على التعليم الخاص داخل القصور أو الأكاديميات العسكرية. حضور ولي العهد في حرم جامعي إلى جانب طلبة من خلفيات اجتماعية متباينة، مع انخراطه في تعلم لغات متعددة تشمل الصينية، يقدم نموذجاً لتقاطع مسارات التكوين الملكي مع تجارب شباب مغاربة آخرين. وهذا التقاطع، وإن ظل مضبوطاً بإجراءات بروتوكولية وأمنية، يسمح بخلق فضاء رمزي مشترك حول قيمة العلم والمعرفة كلغة جامعة بين الحاكم والمجتمع، ويوفر مادة خصبة لقراءة تطور صورة الملكية لدى فئة الشباب.
إذا كان من المبكر قياس الأثر العملي لهذا التوجه اللغوي على السياسة المغربية تجاه الصين أو آسيا عموماً، فإن المؤكد أن إدخال الصينية إلى برنامج تكوين ولي العهد يرسل إشارة إلى أن المراكز التقليدية للنفوذ الثقافي لم تعد وحدها المرجع الحصري في تشكيل أفق النخبة الحاكمة. فالمغرب، الذي ينفتح في الوقت نفسه على الشركاء الأوروبيين والأمريكيين والأفارقة والخليجيين، يبدو في حاجة إلى وسائط لغوية متعددة تواكب هذا الانتشار في الدوائر الدبلوماسية والاقتصادية. وتعلم ولي العهد للغة قوةٍ آسيوية صاعدة يمكن أن يختزل هذه الرؤية، حيث يتم إعداد القيادة المقبلة على أساس فهم متوازن لمصالح البلاد في عالم يتغير بوتيرة سريعة.

