رهانات خيار «نموذج بورتو ريكو» في نزاع الصحراء

أضيف بتاريخ 03/11/2026
منصة الخبر

منذ مطلع العام الحالي، يشهد ملف الصحراء الغربية حراكاً تفاوضياً مكثفاً برعاية واشنطن، شاركت فيه الرباط وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا خلال ثلاث جولات عقدت بين نهاية يناير ونهاية فبراير في كل من واشنطن ومدريد، تحت إشراف المبعوث الأميركي إلى أفريقيا مسعد بولوس، في محاولة للدفع نحو تسوية سياسية تُبقي مرجعية خطة الحكم الذاتي المغربية مع استيعاب هواجس الأطراف الأخرى. في هذا السياق، أُفيد بأن البوليساريو طرحت، بشكل غير معلن، خياراً جديداً يتمثل في إقامة «دولة مرتبطة» على غرار وضعية بورتو ريكو إزاء الولايات المتحدة، في ما اعتُبر محاولة لاختبار قابلية الأطراف الدولية لصيغة وسط بين الاستقلال الكامل والحكم الذاتي المحدود.



هذا الطرح، الذي كشف عنه مقال للصحفي المتخصص في شؤون المغرب العربي إغناسيو سيمبريرو نشره موقع ميدل إيست آي ، يقوم على استلهام نموذج «الدولة الحرة المرتبطة» الذي يمنح إقليماً دستوراً وسلطات واسعة في تدبير شؤونه الداخلية، مع احتفاظ الدولة الأم بالسيادة العامة والاختصاصات السيادية الكبرى، مثل الدفاع والسياسة الخارجية والجنسية. في حالة بورتو ريكو، يتمتع السكان بالجنسية الأميركية ويملكون مؤسسات تشريعية وتنفيذية وقضائية محلية، فيما لا تعتبر الجزيرة ولاية اتحادية ولا تتمتع بتمثيل تصويتي كامل في المؤسسات الفيدرالية، ما يجعل وضعها القانوني مادة سجال دائم في النقاشات الأميركية حول استكمال مسار تقرير المصير.

وفق المعطيات المتداولة، سعى وفد البوليساريو إلى إدخال هذا التصور على طاولة المفاوضات باعتباره تطويراً لمطلب تقرير المصير التقليدي، عبر القبول بعلاقة دستورية مع المغرب مقابل اعتراف واضح بكيان صحراوي يتمتع بدستور ومؤسسات ورموز خاصة، على أن يُكرَّس الوضع النهائي من خلال استشارة شعبية تقتصر على الصحراويين المقيمين في الإقليم وفي مخيمات اللجوء. في المقابل، تتمسك الرباط بخطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كما وردت في مبادرتها المعروضة على الأمم المتحدة، مع رفض منح وضع «دولة مرتبطة» أو الاعتراف برموز سيادية مميزة، وتصر على أن أي تعديل دستوري مرتبط بالأقاليم الجنوبية يُعرَض على الاستفتاء من قِبل مجموع الناخبين المغاربة، لا على قاعدة هيئة ناخبة صحراوية منفصلة.

الخلاف لا يقتصر على البنية المؤسساتية، بل يمتد إلى تعريف الجسم الانتخابي المخوَّل المصادقة على الحل النهائي، حيث يربط البوليساريو شرعية أي اتفاق بقبول حصري من «الشعب الصحراوي» الموزع بين الإقليم ومخيمات تندوف، بينما ترى الرباط أن هذا المنطق يعيد إحياء منازعات قديمة حول تحديد من يحق له التصويت ويعرقل مسار التسوية باتجاه مقاربة إدماجية أوسع ضمن الإطار الوطني المغربي. هذا التباين يفسر تعثّر الجولات الأخيرة رغم الضغط الزمني الذي تحاول الإدارة الأميركية فرضه، في ضوء التقارير التي أشارت إلى رغبة البيت الأبيض في بلورة اتفاق مبدئي خلال أشهر، دون أن تفضي الاجتماعات المنعقدة في 23 و24 فبراير إلى اختراق ملموس أو تحديد موعد جديد لجولة رابعة.

تتقاطع هذه المفاوضات مع مسار أممي يزداد فيه تأكيد مجلس الأمن، عبر قرارات آخرها القرار 2797, على أولوية الحل السياسي الواقعي القائم على التوافق، وهو ما تُقرأ منه الدول الداعمة للمغرب تعزيزاً لمقترح الحكم الذاتي باعتباره قاعدة التفاوض المعتمدة دولياً. في الوقت نفسه، يطرح استحضار نموذج بورتو ريكو إشكالات قانونية إضافية، من بينها أن هذا الإقليم لا يندرج ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي التي تتابعها اللجنة الخاصة بتصفية الاستعمار في الأمم المتحدة, ما يجعل القياس عليه مثار نقاش بين خبراء القانون الدولي حول مدى اتساقه مع المعايير الأممية في مجال إنهاء الاستعمار.

بالنسبة لواشنطن، التي يقود سياستها في هذا الملف الرئيس دونالد ترامب، تبدو المناورة الدبلوماسية الحالية محاولة لتوفيق مسارين متوازيين: تثبيت الاعتراف الأميركي السابق بسيادة المغرب على الأقاليم الصحراوية، مع إبقاء هامش سياسي يُرضي الحليف الجزائري ويتيح للبوليساريو تقديم ما يمكن اعتباره تنازلاً مدروساً عن مطلب الاستقلال الكامل. تولّي مسعد بولوس دوراً مركزياً إلى جانب المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء ستافان دي ميستورا، يعكس رغبة أميركية في الإمساك المباشر بخيوط الوساطة، مع الإبقاء على المسار الأممي كإطار مرجعي يمنح العملية غطاءً دولياً.

في خلفية هذا الحراك، يظل التوتر المغربي – الجزائري عنصراً حاسماً في حسابات كل الأطراف، إذ تراهن الولايات المتحدة، وفق ما تذكره بعض التسريبات الصحفية، على أن تحقيق تقدم في ملف الصحراء قد يسهّل لاحقاً محاولات ترميم العلاقات بين الرباط والجزائر، فيما تبدي العاصمتان تمسكاً بمقاربتين متعارضتين لمفهوم التسوية السياسية. في غياب مؤشرات على تقارب وشيك في المواقف الجوهرية، يظهر خيار «نموذج بورتو ريكو» أكثر كأداة تفاوضية لتحريك خطوط الحوار واختبار سقوف التنازل الممكن لدى الأطراف، لا كصيغة جاهزة لاعتمادها، فيما يبقى مسار المفاوضات رهيناً بمدى قدرة الرعاة الدوليين على تقديم ضمانات متبادلة تتيح الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى بحث تسوية قابلة للاستمرار.