تكرّست وضعية غير مألوفة في كرة القدم الجزائرية مع إيداع دجايد زفيزف، الرئيس السابق للاتحاد الجزائري لكرة القدم بين يوليو 2022 ويوليو 2023، الحبس المؤقت في سجن كوليا قرب العاصمة الجزائرية، ليصبح ثالث رئيس سابق للاتحاد يخضع لإجراء السجن الاحتياطي في المؤسسة العقابية نفسها على خلفية قضايا مرتبطة بالفساد المالي وتسيير المال العام. وجاء قرار إيداعه الحبس بعد أشهر خضع خلالها لرقابة قضائية شملت منعه من السفر وسحب جواز سفره، قبل أن يصدر قاضي التحقيق لدى القطب الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد في 28 أبريل 2026 أمرا بإيداعه السجن في انتظار استكمال التحقيقات. وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الملف المفتوح في حقه لا يرتبط مباشرة بفترة توليه رئاسة الاتحاد، بل بمهامه السابقة على رأس مؤسسة عمومية تنشط في تصدير المنتجات الفلاحية.
يبلغ زفيزف من العمر 63 عاما، وقد كان محل متابعة قضائية منذ فترة بفعل شبهات تتصل بتسييره لشركة “فريغوميديت”، التابعة للمجمّع العمومي “أغرو لوغ” المتخصص في تصدير الخضر والفواكه، حيث تدور الاتهامات حول إساءة استعمال الوظيفة، وإبرام صفقات مخالفة للقانون، وتبييض الأموال، وتحويل أموال عمومية. وأفضت هذه الشبهات إلى استجواب عدد من المسؤولين السابقين والحاليين المرتبطين بهذه الشركة في إطار تحقيق موسع حول طرق التسيير والصفقات التجارية. وفي موازاة ذلك، تم الاستماع إلى الرئيس الأسبق للاتحاد بشأن عقود تعود إلى فترات سابقة داخل الهيئة الكروية، حيث ورد اسمه في تساؤلات حول عدم تبليغه عن اتفاقيات اعتبرت غير مطابقة للمعايير القانونية أبرمها من سبقوه في رئاسة الاتحاد، رغم اطلاعه على جزء من تفاصيلها.
قبل وصوله إلى رأس الاتحاد، راكم زفيزف تجربة في تسيير الأندية من موقعه كمسؤول سابق في نادي جمعية الخروب، ثم في إدارة المنتخب الجزائري الأول، حيث تولى لفترة مهاما إدارية وتنظيمية إلى جانب الجهاز الفني بقيادة جمال بلماضي، ما جعله من الأسماء المعروفة داخل الوسط الكروي. غير أن مساره المهني انتقل لاحقا إلى واجهة ملف قضائي تداخلت فيه عناصر رياضية واقتصادية، في ظل تقاطع مسؤولياته داخل مؤسسة عمومية ذات طابع اقتصادي مع موقعه في هرم تسيير كرة القدم. وتتابع الأوساط الرياضية والقانونية هذا المسار لما يحمله من دلالات على طبيعة العلاقة بين الهياكل الرياضية والقطاع العمومي الاقتصادي.
وجود زفيزف في سجن كوليا يضعه في الخانة نفسها مع خير الدين زطشي، الذي ترأس الاتحاد الجزائري لكرة القدم من مارس 2017 إلى أبريل 2021، وشارف الدين عمارة الذي خلفه بين أبريل 2021 ويوليو 2022 قبل أن يغادر منصبه تحت وطأة ضغوط رياضية ومؤسساتية. وقد أودع زطشي الحبس في نوفمبر 2024 في قضية مرتبطة بعقود مبرمة مع شركة التجهيزات الرياضية “أديداس”، حيث طُرحت أسئلة حول شروط التعاقد وكيفية التفاوض وحدود احترام قواعد الصفقات العمومية في الاتفاق الذي ربط الشركة بالاتحاد لعدة سنوات. أما شارف الدين عمارة، الذي كان يدير في الوقت نفسه مجمّع “مدار” العمومي، فيتابَع في ملفات تخص تسيير شركات مملوكة للدولة، من بينها الشركة الوطنية للتبغ والكبريت، في إطار عقد تجاري مع متعامل مقيم في الإمارات العربية المتحدة ترافقه اتهامات بتحويل أموال إلى الخارج وتبييضها واستغلال تضارب المصالح.
ويمتد المسار القضائي المتعلق بعمارة إلى فترة تنظيم بطولة أمم أفريقيا للاعبين المحليين (شان) التي استضافتها الجزائر عام 2023، حيث فُتحت تحقيقات حول بعض الصفقات والخدمات المتصلة بالتحضيرات اللوجستية والتنظيمية لهذا الحدث القاري. وعلى امتداد السنوات الأخيرة، تراكمت ملفات عدة في تقاطع بين الرياضة وتسيير المال العام، ما أفرز سلسلة من المتابعات طالت مسؤولين سابقين في الاتحاد وأطرافا اقتصادية متعاملة معه. وفي يناير 2026، صدر حكم بالحبس لمدة خمس سنوات ضد عمار بهلول، الذي شغل منصب نائب رئيس الاتحاد خلال فترة رئاسة زطشي، بعد إدانته بتبديد أموال عمومية في قضية انطلقت بشكوى رسمية تقدّم بها الاتحاد نفسه، في إشارة إلى تحوّل في طريقة تعامل الهيئة مع ممارسات سابقة في التسيير.
منذ سبتمبر 2023، يتولى وليد صادي رئاسة الاتحاد الجزائري لكرة القدم بالتوازي مع شغله منصب وزير الشباب والرياضة في حكومة يرأسها سيفي غريب، في صيغة تجمع بين المسؤولية الحكومية المباشرة والإشراف على الهيئة الكروية الوطنية. ويمنح هذا الجمع بين المنصبين للسلطات العمومية هامشا أوسع لمتابعة مسار الإصلاح الإداري والمالي داخل الاتحاد عقب توالي القضايا التي طالت رؤساءه ومسيريه السابقين. وفي انتظار استكمال التحقيقات الجارية وصدور الأحكام النهائية في الملفات المفتوحة، يرتبط جزء من صورة تسيير كرة القدم الجزائرية بمدى قدرة الهياكل الرياضية ومؤسسات الرقابة على ترسيخ قواعد أكثر صرامة في إدارة المال العام والعقود والتعاقدات المرتبطة بالنشاط الكروي.



