مبادرة ثقافية جديدة رقمت جزءا من الذاكرة الصحافية والفكرية في المغرب، من خلال إتاحة الأعداد الكاملة لمجلة "على الأقل" رقميا أمام القراء. هذا سيسمح بقراءة وتحميلها باللغة العربية عبر منصة إلكترونية مفتوحة. تعيد هذه الخطوة إلى الواجهة تجربة مجلّة ارتبط اسمها بمناقشة قضايا الفكر والسياسة والمجتمع في المغرب خلال مرحلة عرفت تحولات متسارعة في الحقلين الثقافي والإعلامي، قبل أن تتوقف عن الصدور الورقي قبل أعوام. نشر هذه الأرشيفات في صيغة رقمية مساهمة عملية في حفظ ذاكرة النقاش العمومي بالمغرب، في سياق تزايد الدعوات إلى حماية الرصيد الوثائقي للصحافة المكتوبة والفكرية من خطر التلف والضياع مع تراجع دور الورقي وصعود منصات النشر الرقمي.
تتيح المنصة الجديدة، التي أطلقتها الجهة القائمة على المبادرة، الوصول إلى أعداد متتالية من المجلة مع الحفاظ على تصميمها الأصلي وترتيب موادها. وهذا يسمح للباحثين والمهتمين بتتبع مسار تطور الخط التحريري والنقاشات التي احتضنتها الصفحات على امتداد سنوات الصدور. ويستفيد القراء من إمكانية تحميل النسخ كاملة بصيغة رقمية قابلة للحفظ والأرشفة الشخصية، ما يمنح هذه المواد عمرا جديدا بعد أن ظلت في السابق حبيسة النسخ الورقية النادرة أو المجموعات الخاصة. ويُنظر إلى هذه الإمكانية بوصفها أداة عمل إضافية أمام الدارسين في مجالات العلوم السياسية والفكر المعاصر ودراسات الإعلام، بالنظر إلى ما راكمته المجلة من مواد تحليلية وحوارات وملفات معمقة حول قضايا محلية وإقليمية.
يأتي إطلاق هذه المبادرة في سياق أوسع يتجه فيه عدد من الفاعلين الثقافيين إلى رقمنة أرشيف الصحافة والمجلات المتخصصة، انسجاما مع التحولات الرقمية التي مست طرق قراءة الأخبار وإنتاج المعرفة في السنوات الأخيرة. وتضع هذه الدينامية، في الوقت ذاته، أسئلة جديدة أمام المؤسسات العمومية المعنية بحفظ الأرشيف الثقافي، حول إمكان بناء شراكات مع مبادرات فردية أو مستقلة من هذا النوع لتوسيع نطاق المشاريع الرقمية وتوحيد معايير الفهرسة والحفظ. كما يثير توفر أرشيف المجلات الفكرية في صيغ مفتوحة مسألة حقوق المؤلفين وناشري النصوص الأصلية، ما يفرض، وفق متابعين، البحث عن صيغ قانونية وتنظيمية توازن بين إتاحة الوصول وحماية الحقوق الأدبية والمالية.
تضيء عودة مجلة "على الأقل" إلى واجهة النقاش من خلال نسختها الرقمية مسار تجربة صحافية سعت، في فترة صدورها، إلى تقديم مقاربات تحليلية لقضايا الشأن العام المغربي، وفتح نقاشات مطولة مع فاعلين من مشارب فكرية وأكاديمية مختلفة. ويتيح الأرشيف المنشور اليوم إعادة قراءة هذه المرحلة على ضوء التحولات الراهنة في المشهد الإعلامي، حيث انتقلت مراكز الثقل تدريجيا من المنابر الورقية إلى المنصات الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي. كما يوفر هذا الرصيد مادة مقارنة للباحثين بين أساليب الكتابة والتحرير قبل الطفرة الرقمية وبعدها، سواء في صياغة المقالات الطويلة أو في بناء الملفات الموضوعاتية التي ميزت عددا من أعداد المجلة.
هذه الخطوة تمنح أيضا فرصة للأجيال الجديدة من القراء، التي لم تعاصر مرحلة صدور المجلة على الورق، لاكتشاف أسماء كتاب وصحافيين وباحثين ساهموا في تأطير النقاش الفكري والسياسي بالمغرب خلال العقدين الماضيين. وتتيح النصوص كاملة في صيغة رقمية إمكانية إدماجها في مسارات التكوين والبحث الجامعي، سواء في كليات الآداب أو الحقوق أو معاهد الإعلام والاتصال، التي تعتمد بشكل متزايد على الموارد الرقمية في التدريس والتوثيق. وفي الوقت نفسه، تعيد هذه المبادرة طرح فكرة بناء منصات وطنية موسعة لأرشفة المجلات والجرائد المغربية، تجمع بين المبادرات الفردية والمؤسساتية، بما يسهل على الباحثين والقراء الوصول إلى مواد متفرقة اليوم بين أرشيفات خاصة ومجموعات محدودة الانتشار.
تشير هذه التجربة إلى أن رقمنة الأرشيف ليست مجرد عملية تقنية لنقل محتوى ورقي إلى شاشة بل هي أيضا اختيار ثقافي ومعرفي يحدد ما يستحق الحفظ والتعميم في ذاكرة المجتمع. من خلال انتقاء مشروع مثل مجلة "على الأقل" ليكون ضمن هذا المسار تُمنح الأولوية لنوع من الصحافة الفكرية والتحليلية التي تستثمر في الزمن الطويل للنقاش بعيدا عن الإيقاع السريع للأخبار والمواد الآنية. ويبدو أن توسع مبادرات مماثلة في المستقبل قد يسهم في إعادة رسم خريطة المصادر الأساسية لدراسة تحولات المغرب الحديث، انطلاقا من الصحافة والمجلات التي وثقت، كل من زاويتها، لمراحل سياسية وثقافية واجتماعية متعاقبة.


