السينما وحقوق الإنسان في جنيف: مهرجان يقارب الجرح الإيراني

أضيف بتاريخ 03/11/2026
مع البريد الدولي

يكرّس مهرجان الفيلم والمنتدى الدولي حول حقوق الإنسان في جنيف مكانته كمنصة تجمع بين الإبداع السينمائي والعمل الحقوقي، من خلال تخصيص حيز واسع هذا العام لمتابعة أوضاع حقوق الإنسان في إيران واستعادة مسار الاحتجاجات والقمع والرقابة التي تواجه المجتمع المدني هناك. يتزامن انعقاد المهرجان مع جلسات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في المدينة نفسها، ما يمنحه بعدًا إضافيًا يجمع بين عروض الأفلام والنقاشات الفنية من جهة، وحضور دبلوماسيين وخبراء حقوقيين يتابعون الملف الإيراني من جهة أخرى.



تعتمد برمجة المهرجان على أفلام وثائقية وروائية تستعرض تجارب أفراد وجماعات واجهوا الاعتقال أو النفي أو التضييق بسبب آرائهم أو نشاطهم السياسي والاجتماعي داخل إيران. وتتناول بعض الأعمال قصص ناشطين وناشطات منخرطين في حركات احتجاجية، خاصة تلك التي شاركت فيها النساء، مع التركيز على تفاصيل الحياة اليومية تحت طائلة المراقبة والتهديد والملاحقة القضائية. وتُستخدم هذه السرديات الشخصية بوصفها مدخلًا لقراءة بنية السلطة وآليات عمل الأجهزة الأمنية والقضائية، بعيدًا عن الخطاب السياسي المباشر، عبر قوة الصورة وقدرتها على ملامسة الجمهور.

وتُستكمل العروض السينمائية بنقاشات عامة تجمع مخرجين ومنتجين وحقوقيين وصحافيين وخبراء في الشأن الإيراني، حيث تُفكّك سياقات الانتهاكات التي تعرضها الأفلام وتُربط بالمعطيات القانونية والسياسية الأوسع. ويُفسح المجال لشهادات إيرانيين في المنفى أو لعائلات سجناء رأي، ما يحوّل قاعات العرض إلى فضاء يستقبل روايات لا تجد سبيلها إلى المنابر التقليدية داخل البلاد. وتتيح هذه الصيغة تداخلًا بين العمل الفني والجهد التوثيقي، بحيث تصبح المادة السينمائية جزءًا من أرشيف غير رسمي لوقائع القمع والاحتجاج.

يستفيد المهرجان من البيئة الدولية في جنيف، حيث تتمركز منظمات أممية وهيئات معنية بحقوق الإنسان، ليقدّم صورة مكثفة عن الوضع الإيراني أمام جمهور يضم دبلوماسيين وممثلين عن منظمات غير حكومية ووسائل إعلام. وهكذا تتحول الأفلام إلى وسيلة ضغط غير مباشرة، إذ تُعرض قضايا مثل الاعتقالات التعسفية، وأحكام الإعدام، وقيود حرية التعبير، في سياق يسمح بطرح أسئلة حول سبل المتابعة داخل الأطر الدولية المتاحة. كما يمنح هذا التلاقي بين السينما والمنتديات الحقوقية مساحة لمناقشة الفجوة بين النصوص القانونية الدولية والواقع الذي يواجهه المواطنون في إيران.

ورغم أن اهتمام المهرجان لا ينحصر في الحالة الإيرانية، إذ تمتد برمجته إلى نزاعات وأزمات في مناطق أخرى من العالم، فإن الحضور المتكرر للملف الإيراني في دوراته خلال السنوات الأخيرة يعكس إدراكًا لأهمية إعطاء هذا البلد مساحة خاصة. فالموضوعات المرتبطة بإيران تتراوح بين قضايا السجون والإعدامات، ومصير الصحافيين والمدونين، مرورًا بالحركة النسائية والاحتجاجات الشعبية، وصولًا إلى تأثير الأوضاع الاقتصادية والعقوبات على المجتمع. ومن خلال هذا التركيب، تُقدّم إيران بوصفها حالة تتقاطع فيها أسئلة الحرية والعدالة والكرامة مع لعبة التوازنات الإقليمية والدولية.



كما يعكس الحيز المخصص لإيران اتساع دائرة التعاون بين المهرجان ووسائل إعلام تهتم بالشرق الأوسط وحقوق الإنسان، حيث يشارك صحافيون في تنشيط النقاشات وتقديم قراءات سياقية للأفلام. ويسهم ذلك في نقل ما يدور في قاعات جنيف إلى منصات رقمية وجمهور أوسع خارج سويسرا، فيتحول المهرجان إلى حلقة وصل بين أصوات قادمة من الداخل الإيراني أو من المنفى، وبين متلقين يتابعون تطورات هذا البلد من زاوية سياسية أو حقوقية أو ثقافية. وبهذا الشكل، تتحول السينما إلى أداة تعبير وتوثيق، وإلى قناة حوار عابرة للحدود بين مجتمع مدني يبحث عن منفذ للكلام، ومحيط دولي يتلمّس طرقًا لمواكبة معركته من أجل الحقوق الأساسية.