يعود اسم سلمان رشدي إلى واجهة النقاش الثقافي العالمي كلما تجدد الحديث عن حرية التعبير، غير أنّ الكاتب البريطاني الهندي الأصل يحاول اليوم، بعد عقود من ملاحقة الفتوى الإيرانية الصادرة عام 1989 بسبب روايته «آيات شيطانية»، أن يتحرر من حصره في خانة «الرمز» المرتبط حصراً بقضية الرقابة والتهديد الجسدي، ساعياً إلى إعادة تقديم نفسه بوصفه روائياً ذا مشروع سردي طويل يمتد عبر ثلاثة وعشرين كتاباً، لا مجرد صاحب سيرة ملاحقة دينية وسياسية طويلة كما ظهرت في سيرته الأخيرة.
في مشاركة حديثة ضمن «New Orleans Book Festival» تحدّث رشدي أمام جمهور واسع عن ضيقه من اختزال مساره في حدث واحد يعود إلى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، مذكّراً بأن الفتوى الشهيرة لم تصدر إلا بعد كتابه الخامس، بينما يقف اليوم أمام عمله الثالث والعشرين، وأن ما يهمه في هذه المرحلة هو أن يُقرأ من خلال نصوصه المتنوعة لا من خلال الملفات الأمنية والسياسية التي التصقت باسمه منذ أكثر من ثلاثة عقود. هذا الميل إلى إعادة تعريف الذات الأدبية ترافق مع إصراره على توصيف نفسه «كاتباً فاعلاً»، يواصل إنتاج القصص والروايات رغم الآثار الجسدية والنفسية للهجمات التي تعرض لها.
استعاد رشدي في الندوة نفسها الاعتداء العنيف الذي تعرض له عام 2022 على منصة «Chautauqua Institution» في ولاية نيويورك بينما كان يتحدث عن أهمية الأدب وحرية الكتابة، حيث أصيب بطعنات خطرة أمام الحضور ثم خضع لسلسلة من العمليات والعلاجات المعقدة. وقد تحوّل ذلك الحدث إلى مادة كتابه الصادر عام 2024 بعنوان «Knife: Meditations After an Attempted Murder»، وهو نص يمزج بين تأملات في الجسد المهدّد والذاكرة الجريحة، وبين قراءة أوسع لمصير الكاتب الملاحَق في زمن تتداخل فيه أشكال العنف المادي والرمزي.
لكن رشدي حرص، في حواره مع الكاتب والصحافي الأميركي جورج باكر، على الإشارة إلى أن التهديد التاريخي لحرية التعبير لم يكن حكراً على الأنظمة السلطوية أو الجماعات المتطرفة، بل جاء «تقليدياً من الأثرياء وأصحاب النفوذ ومن المؤسسات الدينية»، مع ما يرافق ذلك من آليات قانونية أو أخلاقية لتقييد المجال العام الثقافي والإعلامي. غير أنه يرى أن مشهد الرقابة شهد تحولات ملموسة في السنوات الأخيرة، مع صعود أنماط أقل مباشرة من المنع، وفي مقدمتها ما يصفه بالرقابة الذاتية التي يعانيها كتّاب الأجيال الجديدة تحت ضغط النقاشات المتصلة بالهوية وباتهامات «الاستحواذ الثقافي» والخوف من حملات الإدانة الرقمية.
هذا التحول من رقابة مفروضة من أعلى إلى رقابة داخلية يتبناها صاحب القلم نفسه يشغل حيزاً مهماً في مقاربة رشدي للواقع الأدبي الراهن؛ إذ يلاحظ أن كثيراً من الكتّاب باتوا يتحاشون الاقتراب من موضوعات أو شخصيات معينة خشية ردود الفعل، وأن جزءاً من الخيال السردي يتعرض لتضييق غير معلن بفعل توقع الرقابة الاجتماعية المسبقة. وفي المقابل، يتعامل هو مع عامل السن بوصفه مساحة تحرر إضافية تسمح له بالكتابة من دون الاحتساب الدقيق لردود الفعل، في إشارة ساخرة إلى أن التقدم في العمر خفف من حساسيته تجاه محاكمات الرأي المتكررة.
ورغم وطأة الاعتداء الأخير، يؤكد رشدي أن خروجه من تجربة كتابة المذكرات مثّل عتبة عودة إلى الخيال الروائي، إذ يروي أنه ما إن فرغ من كتاب «Knife» حتى شعر كأن «باباً في رأسه» قد انفتح وعادت القصص تتدفق، الأمر الذي أتاح له إنجاز مجموعة قصصية جديدة بعنوان «The Eleventh Hour»، صدرت كأول عمل تخييلي له بعد الهجوم. يلفت هذا المسار إلى أن الخطر الجسدي الذي تعرّض له لم يقطع سلسلة مشروعه السردي، بل أعاد توجيهها مؤقتاً نحو الكتابة التأملية قبل أن تستأنف الرواية حضورها من خلال أعمال مثل «Victory City» التي كانت قد أُنجزت قبل الاعتداء ونُشرت لاحقاً.
وتكشف المجموعة القصصية الأخيرة عن فضاء ثقافي واسع تتحرك فيه نصوص رشدي، حيث تحضر إشارات إلى كتاب ومبدعين من عصور مختلفة مثل فرانز كافكا وفرانسيسكو غويا وهيرونيموس بوش وجي. آر. آر. تولكين وتشارلز ديكنز، إلى جانب اهتمام خاص بشخصيات تاريخية أقل تداولاً في الذاكرة المعاصرة، من بينها الكاتبة السومرية القديمة إنهدوانا التي تُعد من أوائل من وقّعوا نصوصهم بأسمائهم. هذا التنوع في المرجعيات يمنح أعماله طبقات متعدّدة من القراءة، بين التاريخي والأسطوري والفلسفي، ويعكس استمرار انشغاله بالعلاقة المعقدة بين السلطة والسرد.
تجربة رشدي، كما تتبدى في حواراته الأخيرة وفي نصوصه الجديدة، تعيد طرح سؤال حرية الكتابة في زمن تتقاطع فيه تهديدات العنف المادي مع أنماط أكثر خفاءً من الضغط الثقافي والاجتماعي، وتدفع إلى التفكير في المسافة الفاصلة بين الكاتب بوصفه فرداً يتعرض للملاحقة والاعتداء، والكاتب بوصفه صاحب مشروع إبداعي يسعى إلى أن يُقرأ بعيداً عن رمزيته السياسية. بين هذين البعدين يتحرك رشدي اليوم، محاولاً أن يوازن بين الدفاع المبدئي عن حرية التعبير وبين رغبته في أن يعود القارئ إلى النص نفسه، إلى الحكايات والعوالم والتجارب المتخيلة التي شكلت منذ البداية جوهر حضوره في المشهد الأدبي العالمي.


