جائزة توبقال للتفكير الاستراتيجي ترسخ حضور الفكر المغربي في النقاشات العالمية حول السياسة والتحولات الدولية، من خلال مبادرة بحثية تسعى إلى مكافأة الأعمال الأكثر عمقا في تحليل القضايا الجيوسياسية المعاصرة.
تطلق منصة الإعلام الدولي الناطق بالإنجليزية Morocco World News جائزة جديدة تحمل اسم جائزة توبقال للتفكير الاستراتيجي، احتفاء بالذكرى الخامسة عشرة لتأسيسها، في خطوة تعبر عن انتقال جزء من الحضور الإعلامي المغربي إلى مستوى إنتاج المعرفة وتحليل التحولات العالمية، وليس الاكتفاء بنقلها. وتستمد الجائزة تسميتها من قمة توبقال في الأطلس الكبير، بما تحمله من رمزية جغرافية وثقافية مرتبطة بتموقع المغرب في محيطه الإقليمي والدولي. وتستهدف المبادرة تشجيع الباحثين والمهتمين على تقديم مقاربات استراتيجية تتناول موقع المغرب والعالم العربي في شبكة التوازنات الدولية الجديدة، مع إعطاء مكانة خاصة للجيل الجديد من التحليلات القادرة على الربط بين المعطيات المحلية والرهانات الكونية.
وفق المعطيات المتاحة، تفتح الجائزة أبوابها أمام المفكرين والباحثين الشباب وكتاب التحليل السياسي من مختلف الفضاءات الجغرافية، شريطة أن تنخرط أعمالهم في قراءة معمقة لمسائل الاستراتيجية، والعلاقات الدولية، والتحولات المتسارعة في خريطة القوة عالميا. وتمنح الجائزة مكافآت مالية تتراوح، بحسب ما نشر، بين خمسمائة وألف وسبعمائة دولار أمريكي، إلى جانب شهادات تقدير وفرص لنشر الأعمال المتميزة، بما يمنح الفائزين منفذا إلى جمهور أوسع من صناع القرار والمهتمين بالشأن الدولي. كما حدد منظمو المبادرة نهاية شهر ماي ٢٠٢٦ موعدا للإعلان عن الفائزين في دورتها الأولى، ما يمنح المشاركين فسحة زمنية لإعداد دراسات ذات بنية متماسكة ومنهجية متقنة.
تنطلق الجائزة من إدراك واضح لأهمية التفكير الاستراتيجي في لحظة يعرف فيها النظام الدولي تحولا في موازين القوى، وتزداد فيها الحاجة إلى قراءات هادئة للارتدادات الجيوسياسية على مناطق مثل شمال إفريقيا والساحل والشرق الأوسط. وتبدو المبادرة محاولة لإسناد المشهد البحثي بمساحة جديدة أمام الأصوات القادرة على تقديم تحليلات متحررة من الانطباعية، مع الاعتماد على المعطيات الكمية والنوعية، وتفكيك تفاعلات الملفات الأمنية والاقتصادية والهجرية والطاقية في آن واحد.
الحضور المغربي في هذا المشروع لا يقتصر على البعد الرمزي، بل يتصل كذلك بالدور المتنامي للمملكة في ملفات إقليمية متعددة، من الساحل الإفريقي إلى علاقاتها المتشعبة مع الفضاءين الأوروبي والأمريكي، وما يرتبط بذلك من نقاشات حول الدبلوماسية متعددة الأبعاد، والأمن الطاقي، والهجرة، والتحديات المناخية. وتتيح هذه الخلفية مجالا خصبا لأعمال تناقش تموقع الفاعلين الجدد، وصعود قوى إقليمية، وتعدد مراكز القرار، بما يجعل من الجائزة آلية لتحفيز قراءات تلتقط هذه التحولات وتعيد ترتيبها ضمن رؤى استراتيجية متسقة.
من زاوية مهنية، تمنح الجائزة لكتاب التحليل السياسي والصحافة المتخصصة فرصة لتقاطع مسارهم مع الحقل الأكاديمي، عبر نصوص تستوفي شروط البحث من حيث الإحالة على المصادر، وبناء الفرضيات، واختبارها داخل أطر نظرية واضحة. كما تفتح الباب أمام المشتغلين بالصحافة الرقمية لتطوير شكل جديد من المقالات التحليلية الطويلة، القابلة للتحول إلى أوراق فكرية تتجاوز إكراهات الإيقاع اليومي السريع، دون التفريط في قابلية النص للقراءة من جمهور واسع.
في خلفية إطلاق جائزة توبقال للتفكير الاستراتيجي، يبرز توجه متنام لدى بعض المنصات الإعلامية الدولية إلى الاستثمار في شكل من أشكال “رأسمال التفكير”، باعتباره مكملا طبيعيا لرأسمالها الرمزي المبني على الانتشار الرقمي. وتبدو هذه الخطوة، بهذا المعنى، تراكما لمسار امتد خمسة عشر عاما في العمل الإعلامي، يتحول معه جزء من الخبرة التراكمية إلى منصة تشجع إنتاج الأفكار، وتعيد وصل ما انقطع بين غرف الأخبار ومراكز الأبحاث، في زمن تتزايد فيه الحاجة إلى تحليل بطيء يفكك أحداثا متسارعة.



