يتقدّم حوار مع الدكتور محمد الخمسي، أستاذ الرياضيات والمفكر المغربي، بوصفه رحلة معرفية تربط بين المسار الشخصي في عشق الرياضيات وبين أسئلة الذكاء الاصطناعي والتحوّلات الحضارية في العالم العربي، كما عرضه في حواره المطوّل على منصة مجتمع في حلقة بعنوان من الرياضيات إلى الذكاء الاصطناعي: كيف نعبّر بمجتمعاتنا إلى رحابة الرؤية الحضارية؟
يبدأ الخمسي من تجربته الذاتية مع الرياضيات، حيث نشأ وعيه العلمي في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي في المغرب، في سياق اجتماعي كان ينظر إلى التفوق في الرياضيات مدخلا إلى مؤسسات النخبة والهجرة العلمية بعد البكالوريا، قبل أن يعمّقه تأثير راهب أجنبي في أحد أحياء مكناس كان يقدّم دروسا مجانية لتلاميذ ذوي قدرات محدودة، فيربط عنده بين دعم الفئات الهشة وتيسير فهم الرياضيات، بما جعل من تجربة قصيرة زمنيا حدثا مؤسِّسا لاختياره العلمي والمهني اللاحق كما يروي في الحوار المصوّر على منصة مجتمع.
هذا التكوين الأولي تبلور لاحقا في الجامعة المغربية عبر أساتذة ينتمون إلى مدارس فرنسية وأمريكية في الرياضيات، ثم تعزّز خلال تجربة دراسية في فرنسا، حيث تداخلت في نظره الرياضيات مع الفلسفة، إلى حد الجزم بأن كل فيلسوف يحتاج إلى حدّ أدنى من التكوين الرياضي المنطقي، وأن الرياضيات بدورها لا تمتد عميقا في ذهن الإنسان دون أفق فلسفي يرافق الاشتغال بالمفاهيم الكبرى مثل النهائي واللانهائي والمتصل والمنفصل ونظريات المجموعات والبنيات الرياضية.
انطلاقا من هذا الأساس يرفض الخمسي اختزال الرياضيات في تقنيات الحساب، ويرى أنها أداة لصياغة البنى المجتمعية والعلاقات والقوانين، بل يقدّمها بوصفها مفاتيح لفهم العالم، مذكّرا بأن مفاهيم بدت في زمنها ترفا ذهنيا مثل العدد التخيلي الذي مربعه يساوي ناقص واحد تحوّلت لاحقا إلى شرط لبناء ميكانيكا الكم والنسبية ومعادلات ماكسويل، تماما كما أُخذت نتائج في الطوبولوجيا زمنا على أنها لعب ذهني قبل أن تتحول إلى أدوات لحل معضلات تطبيقية في مجالات متعددة كما يشرح في الحلقة المنشورة على قناة مجتمع على يوتيوب.
ومن هذا الوعي بمكانة الرياضيات ينتقل الخمسي إلى الذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن منبعه فكرة رياضية، سواء في صيغ المنطق الكلاسيكي الثنائي أو في تطوير منطق مبهم يحاول الاقتراب من مشاعر الإنسان وتقديراته، وأن الخوارزميات التي تنظّم حركة النقل وتحلل العلاقات السياسية وتقتنص سلوك النمل والنحل ليست سوى بنيات رياضية أُسقطت على الواقع، كما يشير في حديثه إلى أن أنظمة الاستشعار وأنماط التنظيم الحديثة ما كانت لتُصاغ بهذه الدقة من دون هذه الهندسات الخوارزمية.
مع ذلك يلفت إلى مفارقة حادة في العالم العربي، حيث لم تُطرح بعد الأسئلة العميقة حول فائدة الذكاء الاصطناعي في مواجهة مشكلات جوهرية مثل التصحر والماء والرعاية الصحية، في حين أن تجارب مثل الهند والصين استثمرت هذه التكنولوجيا لتسريع تجاوز التخلف عبر ترشيد الإنتاج وتطوير الخدمات وحل المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، بينما اكتفى المحيط العربي، في نظره، باستخدام التطبيقات ذاتها لتكثيف الغش وتعقيد البنية الاجتماعية وتوسيع ممارسات الاحتيال، وهو ما يحذّر منه في الحلقة ذاتها.
يتوقف الخمسي مطولا عند ما يسميه مناطق التماس، حيث تتقاطع العلوم الطبيعية مع العلوم الإنسانية، أو تتلاقى السياسة مع الاقتصاد، أو يتقاطع رجل الدين مع رجل الدولة، أو يلتقي حامل السلاح بالمدني، ويرى أن معظم الأزمات العربية المعاصرة تنبثق من عجز عن هندسة هذه المناطق المشتركة، في حين أن المجتمعات التي عالجت هذه التداخلات مثل التجربة الأوروبية التي راكمت قرونا من التفكير في علاقة المؤسسة العسكرية بالسلطة المدنية استطاعت تثبيت قواعد واضحة تجعل العسكري خاضعا في قراره النهائي للمدني المنتخب.
هذا العجز في إدارة مناطق التماس يرتبط، في تصوره، بثلاثة اختلالات بنيوية: غياب ثقافة الإنصات وتبادل الأدوار في المجال العام، ضعف المراكز البحثية المستقلة في العلوم الإنسانية والاجتماعية وضآلة حضورها في صناعة القرار مقارنة بالنماذج التي تُمنح فيها مراكز الدراسات وزنا حقيقيا، وهيمنة تصور للسياسة بوصفها طريقا إلى السلطة والثروة لا بوصفها أداة لتشييد رؤية حضارية طويلة المدى، إلى جانب صورة سلبية عن كليات الآداب والعلوم الإنسانية اعتُبرت فيها عبئا قبل أن يتبين أن المعارك الكبرى تدور في فضاء القيم والتنظيم الاجتماعي والثقافة كما يشير في حواره المطول على منصة مجتمع.
في محور العلاقة بين العلم والإيمان يبدي الخمسي حساسية شديدة تجاه خطاب الإعجاز العلمي للنصوص الدينية، معتبرا أنه لم يثبت يوما أن نتيجة عُلمية حُسمت عبر قراءة دينية قبل أن تثبتها الأبحاث التجريبية، وهو لذلك يفضّل التعامل مع العلم باعتباره مجالا للاستئناس لا البرهنة، ويرى أن بنية الإيمان تشترك مع الرياضيات في اعتماد المسلمات بوصفها منطلقا لكل بناء نظري، بحيث لا يمكن إنتاج منظومة رياضية دون قبول قواعد أولية، تماماً كما يبقى الإنسان، في رأيه، عاجزا عن العيش دون نوع من الإيمان، حتى حين يصف نفسه بالإلحاد، لأن إنكاره للميتافيزيقا يتحول بدوره إلى منظومة اعتقاد بديلة.
وبالعودة إلى الذكاء الاصطناعي، يقدّم الخمسي رؤية متحفظة على مستوى المخاطر الرمزية، إذ يرى أنه يهدد مجال الخيال والإبداع من ثلاث زوايا: إعادة كتابة الماضي عبر قدرته على تركيب سرديات جديدة تغير صورة الأبطال والرموز الثقافية، تشكيل تصورات حتمية عن المستقبل قد تؤثر في خيارات الأفراد مثل تصور مصير أسرة انطلاقا من سيناريوهات خوارزمية، وتوليد عدد لا نهائي من القصص والروايات بما يفوق قدرة الإنسان المحدودة على الاستيعاب، الأمر الذي يجعل تدخل القيم والأخلاق ضروريا لفرز ما يُستهلك وما يُترك كما يحلل في الحلقة المصورة على قناة مجتمع.
في المقابل يشير إلى أن دول المنبع التي تُنتج الذكاء الاصطناعي تدرك مخاطره وتتساءل بجدية حول أثر هذه التقنيات على مفاهيم اللذة والسعادة والزمن والحقوق، بما في ذلك أسئلة المسؤولية القانونية حين يرتكب الروبوت خطأ طبيا أو تتسبب خوارزمية في ضرر، في حين أن دول المصب، ومنها الدول العربية، تتلقى هذه المنتجات وهي أقل استعدادا من حيث البنى القانونية والثقافية لحمل آثارها، ما يفاقم الاختلال بين من يملك القدرة على التعديل والتأطير ومن يكتفي بالاستهلاك.
يتوسع الخمسي في نقده للبنية التعليمية العربية، ويرى أنها تعيق الخيال والإبداع بسبب ارتفاع منسوب الرقابة وقلة فضاءات التلاقح بين التخصصات، ويستعيد هنا نموذج الأحياء الجامعية الأوروبية التي تجمع طلبة الهندسة والآداب والفلسفة في فضاء واحد يسمح بتكوين شخصيات مركّبة، مقابل أنماط عربية تميل إلى الفصل الصارم بين التخصّصات وإلى هيمنة إيديولوجيا واحدة على الجمعيات الطلابية، ما ينتج عقولا جامدة غير قادرة على الإنصات والحوار عندما تنتقل لاحقا إلى مواقع المسؤولية في الدولة.
وفي مستوى المنهج يلح الخمسي على أن المجتمعات العربية تختزن أجوبة أكثر مما تنتج أسئلة، في حين أن التعامل الجاد مع الذكاء الاصطناعي ومع تحديات الحضارة يتطلب وقتا لإنتاج أسئلة صلبة حول الماء والطاقة والديموغرافيا ونمط المدن والبيئة، ويرى أن خطأ النظر إلى الإشكالات بوصفها سياسية قصيرة المدى، لا حضارية طويلة الأمد، جعل قرارات مصيرية مثل بناء السدود أو تدبير المدن رهينة لدورات انتخابية واعتبارات ظرفية، في حين أن قضايا من قبيل الماء أو التحول الديمقراطي تحتاج إلى أفق زمني يمتد عقودا ويتغذى من تراكم فكري ومؤسساتي متين كما يظهر من استطراداته في الحلقة المسجلة على قناة مجتمع على يوتيوب.



