"سترينجر": من الذي التقط صورة "فتاة النابالم" حقًا؟

أضيف بتاريخ 11/29/2025
منصة الخبر


يطرح فيلم «ذا سترينغر: مصوّر من أجل التاريخ» على نتفليكس سؤالاً مقلقاً حول ملكية واحدة من أشهر صور القرن العشرين: صورة «الطفلة العارية» الهاربة من قصف النابالم في حرب فيتنام، تلك الصورة التي تحولت إلى أيقونة عالمية للفظائع والحروب ولقوة الصورة الصحفية في زعزعة الرأي العام.  لعقود طويلة، استقرت الرواية الرسمية على اسم واحد: المصوّر الفيتنامي العامل لدى وكالة «أسوشييتد برس» نِك أوت، الذي حصد بفضلها جائزة بوليتزر واحتل مكانة مركزية في سردية انتصار الصورة على آلة الحرب.  يأتي هذا الوثائقي ليقوّض يقيناً ترسّخ نصف قرن، ويفتح تحقيقاً بصرياً وأخلاقياً حول من التقط فعلاً هذه اللحظة التي أعادت تشكيل الذاكرة البصرية للحرب في فيتنام.


انطلقت شرارة الفيلم من رسالة إلكترونية كتبها كارل روبنسون، محرّر صور مخضرم عمل في مكتب «أسوشييتد برس» بسايغون خلال سنوات الحرب، إلى المصور والقيّم المعروف غاري نايت.  في هذه الرسالة، يعترف روبنسون بأنه ظلّ لخمسة عقود يحمل سراً ثقيلاً: الصورة التي نُسبت إلى نِك أوت ليست من عمله، بل التقطها مصوّر محلي يعمل بنظام القطعة، ما يُعرف في jargon الصحافة بـ«سترينغر».  وفق روايته، جاء قرار نسبة الصورة إلى أوت من أعلى هرم التحرير، بدافع الحاجة إلى «بطل» من داخل المؤسسة يمكن ترويجه عالمياً، وليس متعاوناً محلياً هامشياً، في بنية إعلامية يمنح فيها مركز القرار في الغرب الشرعية والاعتراف.

يقود ذلك الخيط إلى شخصية نغوين ثانه نغيه، مصوّر فيتنامي يعيش متقاعداً في بيت متواضع في كاليفورنيا، ويقول بهدوء يكاد يكون يومياً إنه هو من كان في المكان واللحظة اللذين شهدتهما الصورة الشهيرة.  يروي نغيه أنه بعد القصف عاد إلى المدينة وسلّم فيلمه إلى مكتب الوكالة، حيث اختار محرّر غربي إحدى اللقطات، احتفظ بالمخامد (النيغاتيف) ودفع له نحو عشرين دولاراً وبعض لفائف الفيلم، لينتهي اسمه خارج تاريخ الصورة بينما حصدت المؤسسة الدولية المجد الرمزي والجوائز.  لا يقدّم الوثائقي نغيه كبطل غاضب، بل كرجل عاش حياة كاملة وهو يحمل حقيقة شخصية لم يعترف بها أحد، في تجسيد صارخ للمكانة المتدنية التي يحتلها المتعاونون المحليون في صناعة الصورة الدولية، رغم أنهم غالباً أول من يعرّض نفسه للخطر وآخر من يُذكر اسمه.

قوة «ذا سترينغر» لا تأتي فقط من الشهادة المضادة، بل من الطريقة التي يحوّل بها الخلاف إلى تحقيق بصري ـ تقني أشبه بتشريح جنائي لصورة واحدة.  استعان فريق الفيلم بمجموعة خبراء في التحليل الجنائي للصور في باريس لبناء نموذج ثلاثي الأبعاد للمشهد: الطريق، الجنود، الأطفال، ومواقع المصورين المتعددين الذين كانوا هناك.  عبر تحليل اتجاهات الظلال وزوايا الرؤية والارتفاعات والبعد البؤري، خلصت المحاكاة إلى أن الموقع المفترض لنِك أوت لا يسمح نظرياً بالتقاط الكادر المعروف بهذه الدقة والزواية، بينما تتوافق الزاوية مع المكان الذي يقول نغيه إنه كان يقف فيه.  تضاف إلى ذلك أدلة تقنية تتعلق بطبيعة المخامد الأصلية وما توحي به من استخدام كاميرا من نوع «بنتاكس»، وهي الآلة التي يؤكد نغيه أنه كان يستعملها، في حين تتمسك الوكالة بأن نِك أوت استخدم تجهيزاً مشابهاً، ما يترك المسألة في منطقة رمادية ولكن مثقلة بالشكوك.

أمام هذا الضغط المعرفي والأخلاقي، اختارت «أسوشييتد برس» التمسك بالرواية الرسمية بعد مراجعة داخلية، معتبرة أن غياب المستندات القاطعة بعد خمسين عاماً لا يسمح بإعادة كتابة تاريخ إحدى أهم صورها.  في المقابل، اتخذت مؤسسة «وورلد برس فوتو»، التي كانت قد منحت الجائزة للصورة باسم نِك أوت عام 1973، خطوة بالغة الدلالة حين أعلنت تعليق نسبة الجائزة، مبررة ذلك بوجود «شك جوهري» واستحالة الحسم النهائي في هوية صاحب النقر على زر الكاميرا.  من الناحية الرمزية، يعني هذا القرار تخلخل أحد أعمدة سردية الصورة الشهيرة، وإقراراً من مؤسسة مرجعية بأن التاريخ البصري الذي دُوّن بأسماء مصورين غربيين كثيراً ما قام على تهميش منظّم لعمل الفاعلين المحليين.

في الخلفية، يشتبك الفيلم مع أسئلة أوسع تهم الصحافة المعاصرة: من يملك الحق في سرد التاريخ، ومن يُمنح حق التوقيع على الصورة التي تختصر حرباً بأكملها؟  يعيد الوثائقي فتح ملف «السترينغر» و«الفكسر» وكل العمال غير المرئيين الذين يشكّلون العمود الفقري لصحافة الحروب والنزاعات، من السائق إلى المترجم إلى المصور المحلي، لكن أسماءهم نادراً ما تتجاوز هوامش التقارير أو صفحات كشوف الأجور.  بهذا المعنى، يتجاوز «ذا سترينغر» كونه فيلماً عن نزاع مهني على نسبة صورة، ليصير مراجعة جذرية لطريقة صناعة البطولة في غرف الأخبار العالمية، وكيف تُبنى الأساطير الفردية على حساب قصص جماعية غير مرئية.

في مساره الأعمق، يبدو الفيلم أيضاً محاولة متأخرة لإنصاف جيل من الفيتناميين الذين كانت حرب بلادهم بالنسبة إلى العالم الغربي خلفية درامية لصعود صحافة الصور، أكثر منها مأساة بشرية عاشوها على جلودهم.  يعطي المخرج باو نغوين لنغوين ثانه نغيه مساحة ليس فقط ليقول «أنا من التقط الصورة»، بل ليضع تجربته الشخصية ضمن سياق تاريخي أكبر عن محو الذاكرة المحلية لصالح رواية تنتجها المؤسسات الإعلامية الكبرى في الشمال العالمي.  يتحول صعود نغيه أخيراً إلى خشبة أحد المهرجانات السينمائية، وسط تصفيق الجمهور وهو يعلن جملته البسيطة، إلى لحظة استعادة جزئية لكرامة ضاعت بين البيروقراطيات وشبكات التوزيع والجوائز، ويمسي الفيلم نفسه شهادة على ضرورة إعادة النظر في أرشيف الصور الأيقونية التي شكّلت وعينا بالحروب، لا بحثاً عن فضيحة عابرة، بل سعياً إلى كتابة أكثر عدلاً لتاريخ من وقف خلف العدسة ولم يُذكر اسمه قط.