في الوقت الذي تعاني فيه العديد من الدول من تفشي الأخبار الكاذبة وصعوبة التحقق من المعلومات على الإنترنت، تتعامل فنلندا مع هذا التحدي بطريقة فريدة وفعالة. منذ سنوات، وضعت الحكومة الفنلندية التربية الإعلامية في صميم مناهجها التعليمية، بدءًا من مرحلة رياض الأطفال، معتبرة أن القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل مهارة أساسية كالقراءة والكتابة والحساب.
يتعلم الأطفال الفنلنديون منذ الصغر كيفية تحليل الصور والمقاطع والفيديوهات التي يشاهدونها، والتساؤل عن مصدرها ومصداقيتها. في المدارس الابتدائية، يتم تشجيع الطلاب على مناقشة الأخبار الرائجة وتفكيك الخطاب السياسي أو التجاري الذي يحيط بهم. أما في المراحل الإعدادية والثانوية، فيتعلمون أساليب التحقق من المعلومات عبر أدوات رقمية متخصصة، ويجرون تجارب عملية لمقارنة تقارير إعلامية متعددة حول نفس الموضوع.
هذه المقاربة ليست مجرد درس عرضي، بل جزء مدمج في روح النظام التعليمي الفنلندي الذي يربط بين التفكير النقدي والعيش الديمقراطي. فالمعلمون يستفيدون من تدريب مستمر حول التربية الإعلامية، ويُنظر إلى الإنترنت ليس فقط كمصدر للمخاطر، بل كمساحة لإعمال العقل وتطوير روح المواطنة الرقمية.
نتائج هذه الاستراتيجية كانت ملموسة. وفقاً لدراسات الاتحاد الأوروبي، تتصدر فنلندا قائمة الدول الأوروبية الأكثر مقاومة للتضليل الإعلامي. المواطن الفنلندي أصبح أكثر حذراً في التعامل مع المحتوى الرقمي، وأكثر ميلاً إلى التحقق قبل المشاركة أو إعادة النشر. حتى خلال الأزمات العالمية، مثل جائحة كوفيد-19 أو الحرب في أوكرانيا، أظهر المجتمع الفنلندي قدرة لافتة على مقاومة موجات التضليل التي اجتاحت العالم.
قصة فنلندا تُظهر أن مكافحة الأخبار الكاذبة لا تبدأ بالرقابة ولا بالمنع، بل بالتربية على الوعي والشك البنّاء منذ الطفولة. فالتعليم، حين يتجاوز التلقين ليُعلّم الأطفال كيف يفكرون لا ماذا يفكرون، يصبح خط الدفاع الأول ضد فوضى المعلومات التي تشكل أبرز تحديات عصرنا الرقمي.


