فقد المشهد الصحفي المغربي واحدًا من أبرز وجوه الرسم الكاريكاتيري برحيل طارق بويدرر، المعروف لدى القرّاء وزملائه في غرف التحرير باسمَيْه المستعارَيْن «ريك» و«كارلوس». توفي الراحل في ليلة الخميس إلى الجمعة 9 يناير 2026 بإحدى المصحات الخاصة في الدار البيضاء، بعد معاناة مع مرض مزمن، تاركًا وراءه رصيدًا فنيًا واكب على مدى أكثر من عقدين مسار الأخبار الوطنية وتحولاتها. وُلد طارق بويدر في 16 يوليوز 1975 بالدار البيضاء، وتخرّج من المدرسة العليا للاتصال والإشهار «كوم سوب»، حيث وجّه موهبته مبكرًا نحو الكاريكاتير الصحفي، هذا الفن الصعب الذي يُختزل فيه الموقف والتحليل في خط واحد وصورة مكثفة.
على امتداد مسيرته المهنية، استطاع طارق بويدرر أن يفرض نفسه كواحد من القلائل القادرين على تحويل كل رسم إلى موعد يومي مع المتلقي. في جريدة «ليكونوميست» كان يوقّع رسوماته باسم «ريك»، بينما عرفه قرّاء موقع «Le360» تحت توقيع «كارلوس»، حيث كانت رسوماته اليومية جزءًا ثابتًا من إيقاع النشر ومادة منتظرة من طرف الصحفيين والقرّاء على حد سواء. امتاز حسه الساخر بقدرته على الجمع بين الطرافة والحدة في آن واحد، إذ كان يعالج القضايا الحساسة بلمسة خفيفة من السخرية الذكية، مفضّلًا قوة الإيحاء البصري على المباشرة الثقيلة. ومن خلال ضربة قلم حادة وتكوين بصري مركز، كان يعيد سرد الحدث اليومي من زاوية مغايرة تكشف المفارقات وتضيء المناطق المسكوت عنها.
في سياق إعلامي لا يزال فيه فن الكاريكاتير محدود الانتشار، كان طارق بويدر ينتمي إلى فئة نادرة من رسامي الكاريكاتير في المغرب الذين يقدّمون قراءة ذاتية عميقة للعالم المحيط بهم. تميّزت أعماله برسالة واضحة وخط ثابت: مساءلة السلطة، ومراقبة أداء المؤسسات، ورصد التحولات الاجتماعية، مع الحفاظ على مسافة إنسانية تمنح الشخصيات المرسومة بعدًا يتجاوز التهكم السطحي. وعلى امتداد أكثر من عشرين عامًا، رافقت رسوماته كبريات لحظات الشأن العام المغربي، حيث شكّلت بالنسبة لعدد كبير من المتابعين مدخلًا بصريًا مبسّطًا لقضايا معقدة سياسيًا أو اقتصاديًا، صارت مفهومة من خلال مشهد واحد أو حركة جسد أو تعبير وجه.
داخل غرف الأخبار التي اشتغل فيها، تحوّل حضوره المهني إلى جزء من هوية الوسيلة الإعلامية نفسها. كانت رسوماته تضبط إيقاع يوم العمل، تثير النقاش، وتفتح مجالات للتأويل، وتفرض أسئلة إضافية على المادة الخبرية المنشورة. يروي زملاؤه صورة مهني متواضع، قليل الظهور، يتميز بالطيبة وروح مرحة هادئة، يشتغل في الخلفية من أجل دقة الفكرة قبل جمالية الصورة. هذا المزيج بين التواضع الشخصي والجرأة الفنية منحه مكانة خاصة في الوسط الإعلامي، حيث استطاعت رسوماته، في زمن تدفق الصور بشكل متواصل، أن تحتفظ بقيمة التعليق التحريري المكثف، تختزل الموقف في مشهد واحد دون إسهاب لفظي.
برحيل طارق بويدرر، ينفتح فراغ واسع في مجال الكاريكاتير الساخر بالمغرب، فراغ يمسّ البعد الفني كما يمسّ رمزية هذا الفن في الصحافة المكتوبة والرقمية. وتذكّر مسيرته بالدور المحوري لرسام الكاريكاتير: التقاط مزاج الشارع، تكثيف روح المرحلة في لقطة واحدة، نصب مرآة نقدية أمام المجتمع، قد تكون مشوّهة شكليًا لكنها دقيقة في معناها. من المقرر تشييع جثمان الفقيد ودفنه يوم الجمعة بمقبرة سيدي مسعود في الدار البيضاء بعد صلاة الظهر، في وداع أخير لفنان جعل من الكاريكاتير جزءًا من متابعة الأخبار اليومية، وترك أثرًا سيبقى حاضرًا في ذاكرة القرّاء والزملاء وكل من اعتاد قراءة الواقع من خلال خطه الحاد وابتسامته المرسومة بين السطور.



