يظهر «مهرجان الإعلام الأفريقي 2026» كمرآة مكثفة لوضع غرف الأخبار في القارة، حيث تتقاطع أزمة نموذج الأعمال مع تسارع التحول الرقمي وتغلغل تقنيات الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى وتوزيعه. فالحدث لا يقدَّم بوصفه تظاهرة احتفالية بقدر ما يُطرح كمنتدى عملي لتشريح أعطاب المنظومة الإعلامية والبحث عن مخارج جديدة في بيئة اقتصادية وتقنية شديدة التقلب.
تؤكد المعطيات التي تسبق هذا الحدث أن الإعلام الأفريقي يواجه ضغوطاً متزامنة على مستوى الإيرادات والإشهار وتكاليف الإنتاج، في سياق أوسع من «ضغط» عالمي على المؤسسات التقليدية يرتبط بتراجع عائدات المنصات الاجتماعية على المواقع الإخبارية وصعود ما يُسمّى بمحركات الأجوبة والواجهات الذكية التي تعيد توجيه الجمهور بعيداً عن الصفحات الرئيسية وغرف الأخبار. وتشير تحليلات متخصصة إلى أن جزءاً كبيراً من التراجع في الزيارات يأتي من تغيّر خوارزميات فيسبوك و«إكس» وانزياح الاهتمام نحو صانعي المحتوى الأفراد، بما يضع المؤسسات ذات البنية الثقيلة في وضع تنافسي ضعيف.
في هذا السياق، يسلّط المهرجان الضوء على مشكلة بنيوية قديمة تتعلق بهشاشة النماذج الاقتصادية للمؤسسات الإعلامية في القارة، إذ يعتمد عدد واسع منها على سوق إعلانية محدودة وعلى دعم سياسي أو مؤسسي لا يوفّر دائماً الاستقلالية التحريرية ولا الاستدامة المالية. وقد زادت جائحة كوفيد من حدة هذا الاختلال، بعدما دفعت عدداً من المؤسسات إلى تقليص نفقاتها عبر العمل عن بعد وخفض الموارد البشرية، من دون نجاح واضح في معالجة جذور العجز المالي أو تحسين شروط العمل الصحفي.
غير أن الدورة الحالية من «مهرجان الإعلام الأفريقي» لا تُقارب الموضوع فقط من زاوية الانكماش الاقتصادي، بل تربطه أيضاً بظهور ما يوصف بـ«الصحافة 2.0»، أي منظومة إنتاج وتوزيع خبرية تقوم على تعدد المنصات، والاعتماد على الفيديو القصير، وبناء العلاقة مع الجمهور عبر الهواتف الذكية، والتجاور المتزايد بين المحتوى الصحفي والمحتوى الذي يقدمه مؤثرون وصنّاع محتوى مستقلون. وتستند هذه القراءة جزئياً إلى خلاصات تقارير دولية حديثة، بينها تقرير «الاتجاهات والتوقعات في الصحافة والإعلام والتقنية 2026» الصادر عن معهد رويترز، الذي يشير إلى انتقال تدريجي من حركة المرور القادمة من الشبكات الاجتماعية نحو واجهات مدعومة بالذكاء الاصطناعي ومنصات الفيديو.
وتضع نقاشات المهرجان أمام المشاركين سؤالاً محورياً يتعلق بالطريقة التي يمكن بها للمؤسسات الإعلامية الأفريقية أن تتحول من منافس مباشر في سوق المحتوى القصير إلى منتج ذي قيمة مضافة صعب الاستنساخ، عبر الاستثمار في التحقيقات الميدانية، والقصص التفسيرية المتعمقة، والتغطيات المحلية التي لا يمكن للخوارزميات العامة ولا للمحتوى المعاد تدويره أن يحل محلها. وتُطرح في هذا الإطار فكرة الانتقال من «المحتوى السلعي» القابل للاستبدال إلى إنتاج معرفي ذي طابع تفسيري وتحقيقي يبرر الاشتراك أو الدعم المباشر من الجمهور.
كما يمنح المهرجان حيزاً معتبراً لتجارب تعتمد على تنويع مصادر الدخل، عبر الاشتراكات، والفعاليات الحضورية، والتدريب والخدمات الاستشارية، ومحاولات بناء منصات رقمية خاصة تقلل من التبعية للتقنية المملوكة من الشركات الكبرى. ويجد هذا التوجه صداه في مبادرات سابقة شهدتها المنطقة، مثل اللقاءات المهنية في نيروبي حول التحول الرقمي للمؤسسات الإعلامية، والتي شددت على ضرورة إعادة تصميم سلاسل القيمة في غرف الأخبار وربط الابتكار التحريري بالتجديد التجاري.
وتحضر في خلفية المداولات مخاوف متزايدة من تأثير الذكاء الاصطناعي التوليدي على سوق العمل الصحفي، سواء من حيث أتمتة بعض المهام الروتينية أو من حيث إعادة تعريف العلاقة مع الجمهور الذي يحصل على الأجوبة مباشرة من واجهات ذكية بدلاً من زيارة المواقع. غير أن الأصوات المشاركة تميل إلى قراءة هذه التحولات بوصفها لحظة إعادة توزيع للأدوار أكثر منها نهاية للمهنة، إذ يُنظر إلى أدوات الذكاء الاصطناعي باعتبارها وسيلة لتحرير الوقت نحو مهام تحقيقية وتحريرية أعلى قيمة، بشرط أن ترافقها ضوابط أخلاقية شفافة من حيث الإشارة إلى استخدامها وضمان دقة البيانات ومصادرها.
وتتجاوز رهانات «مهرجان الإعلام الأفريقي 2026» البعد التقني والاقتصادي لتلامس سؤال الثقة، حيث تؤكد تحليلات متخصصة أن أي نموذج أعمال جديد لن يكون قابلاً للاستمرار ما لم يترسخ شعور لدى الجمهور بأن المنصات الإخبارية تقدم خدمة مهنية مستقلة، وتقاوم الإشاعات والمحتوى المضلل الذي يغمر الفضاء الرقمي. وتُبرز بعض الورشات المقترحة أهمية تطوير وحدات تدقيق معلومات، وتوثيق منهجيات العمل، وبناء علاقة تفاعلية مع الجمهور تقوم على الشرح والاعتراف بالأخطاء عند وقوعها.
وبذلك يتبدى هذا المهرجان كأحد فضاءات النقاش الجديدة التي تحاول ربط مستقبل الإعلام الأفريقي بتقاطع ثلاثة مسارات: إعادة تشكيل الاقتصاد الإعلامي بما يقلل من التبعية الإعلانية، استيعاب الموجة التكنولوجية الجديدة دون التفريط في المعايير المهنية، وإعادة بناء الثقة مع مجتمعات باتت محاطة بفيض من المحتويات المتنافسة على انتباهها المحدود.


