يُظهر تقرير حديث في موقع (Vox) أن جزءا متزايدا من الفتيان المراهقين في الولايات المتحدة صار يتعامل مع أدوات مثل «تشات جي بي تي» بوصفها صديقًا سرًّا يختبر معه رسائل الغزل قبل إرسالها إلى الفتيات. ويفيد مربّون وخبراء تحدّثت إليهم الصحيفة الأميركية بأن هؤلاء ينسخون نصوصهم في خانة الدردشة، طالبين «تحسين الأسلوب» أو جعل الرسالة «أكثر جاذبية»، وأحيانًا يطلبون تقييما لصورهم الشخصية أو بحثا عن جرعة تعاطف عندما يعجزون عن الاقتراب مباشرة من زميلة دراسة. ويُروى أنّ الفتيات والمراهقين غير الثنائيين أقل اعتمادًا على هذه الخدمات، لأنهم غالبًا ما يجدون في دوائر الأصدقاء مساحة لتبادل النصائح حول الرسائل والعلاقات، في حين يميل الفتيان إلى قدر أكبر من العزلة في ما يخص مشاعرهم.
التقريريربط هذا الميل بثقافة رقمية ذكورية تشكّلت في فضاءات البودكاست ومنتديات «الرجولة» على الشبكات الاجتماعية. حيث تُقدَّم العلاقات مع الفتيات إما كمعركة تستدعي استراتيجيات مضمونة، أو كحقل ألغام قانوني وأخلاقي يخشى فيه الفتى أن تؤدي زلة واحدة إلى تشهير علني أو اتهام خطير. هذه السردية تُغذّي شعورا مزمنا بالارتياب: أي رسالة يمكن أن تُفهم خطأ، وأي مزحة قد تنقلب «دليلا» ضده. ما يدفع عددا من المراهقين إلى البحث عن وسيط غير بشري يطمئنهم إلى أن صياغتهم «آمنة». وفي الخلفية، يلحظ خبراء في تربية المراهقين أنّ كثيرين من هؤلاء الفتيان لا يجدون بسهولة في محيطهم اليومي رجالا بالغين يمكن أن يلعبوا دور قدوة متوازنة أو مربّ يتعامل مع موضوع العاطفة والجنس من موقع الثقة.
استخدام الذكاء الاصطناعي لا يتوقف عند تلميع الرسائل، بل يمتد إلى أسئلة أكثر حساسية تتعلق بالرضا الجنسي والحدود الأخلاقية بعد لقاءات وسهرات تكثر فيها الكحول. كما تشير Vox، يصف عاملون في منظمات توعية شبابية أنّ بعض الفتيان يطرقون باب روبوتات الدردشة في اليوم التالي متسائلين ما إذا كان سلوكهم مع فتاة ما يمكن أن يُعدّ اعتداء. فيبحثون عن إجابة تقنية تقيس لهم «الخط الأحمر» بأدق ما يمكن. لكن ما يحصلون عليه، بحسب الشهادات نفسها، هو في الغالب مزيج من نصائح قانونية عامة وصيغ حذرة تكرّر ضرورة استشارة مختص أو محامٍ، مع خطاب يجنح أحيانا إلى طمأنة المستخدم أكثر مما يدفعه إلى مساءلة الذات أو الاعتذار أو إصلاح الضرر. هنا تبرز إشكالية تصميم هذه النماذج الحوارية التي تُدرّب، جزئيا، على تجنّب إدانة المستخدم مباشرة أو غلق باب الحوار. ما يجعلها أقل قدرة على صياغة رسائل واضحة حول المسؤولية الشخصية في سياقات الالتباس الجنسي.
الخبراء الذين تحدّثوا إلى (Vox) يذكّرون بأن اللجوء إلى وسائط تكنولوجية لاكتشاف المشاعر ليس جديدا. إذ سبق لجيل سابق أن جرّب غرف الدردشة ومنصات المراسلة الفورية أواخر القرن الماضي. غير أنّ الطرف المقابل كان دائما إنسانا يمكنه رسم حدود، أو وضع حد لمحادثة جارحة، أو حتى ارتكاب أخطاءه الخاصة. ما يميّز المرحلة الحالية هو أن الطرف المقابل بات خوارزمية مصمَّمة لكي تبقى منفتحة، ودودة، ومتعاونة قدر الإمكان، حتى حين يختبرها المستخدم بسيناريوهات متطرفة أو أسئلة عن العنف الجنسي. وتلفت الاستشارات الميدانية المقتبسة في المقال إلى حالات يجرب فيها مراهقون مغازلة الروبوت نفسه، أو يدفعونه إلى لعب دور «حبيبة افتراضية»، بما يشبه ما وثّقته تقارير أخرى عن تصاعد اللجوء إلى «رفيقات» و«رفاق» اصطناعيين مخصصين للعلاقات الرومانسية الرقمية. مثل هذه الممارسات، بحسب منظمة تعمل مع الفتيان على الصحة النفسية والعلاقات، تُرسّخ نمطا من التفاعل مع «شريكة» لا تقول «لا» أبدا، ما يعقّد لاحقا الاحتكاك بعالم بشري قائم على الرفض، والتردد، والتفاوض المستمر على الحدود.
في المقابل، يذهب المقال إلى أنّ حجم الظاهرة ما زال غير محسوم. إذ لا توجد بيانات دقيقة عن عدد المراهقين الذين يستشيرون نماذج لغوية في شؤون الغزل أو الرضا الجنسي، وإن كانت استطلاعات رأي مثل تلك التي أعدّها مركز (Pew Research Center) تُظهر أن أكثر من نصف المراهقين استخدموا الذكاء الاصطناعي للبحث عن معلومات، وأن نسبة أصغر – تقارب 12 في المئة – لجأت إليه من أجل الدعم العاطفي أو النصيحة. كثير من الأسئلة «العاطفية» قد تُدرج ضمن الفئتين معا، ما يصعّب القياس، لكن روايات المرشدين في الجامعات والمدارس عن تراجع الأسئلة المباشرة من الطلاب حول الرضا الجنسي، لصالح «استشارة تشات»، تشي بتحوّل في وجهة الثقة. بعض التجارب التي أجرتها صحفية (Vox) نفسها، عبر محاكاة مراهق قلق من تصرّفه مع فتاة على «تشات جي بي تي» ونماذج منافسة، أظهرت أنّ هذه الأدوات باتت أكثر استعدادا لطرح أسئلة متابعة تدعم تحمّل المسؤولية وتشجّع على الاعتذار أو طلب مساعدة متخصصة، مقارنة بنسخ أقدم كانت تميل إلى إجابات عامة.
رغم هذه التطورات التقنية، يستخلص التقرير الأميركي أنّ حاجة الفتيان والمراهقين لا تقتصر على تحديث الروبوتات بقدر ما تتمثل في بناء بيئة بشرية تسمح لهم بالتعبير عن حيرتهم ومخاوفهم من دون خوف من السخرية أو الوصم. الشباب الذين قابلتهم الصحفية يؤكدون أنهم يريدون أساتذة يتقنون الحديث عن الرضا الجنسي والعنف، وبرامج مدرسية أكثر دقة وشمولية، ومساحات يمكن فيها أن يتعلموا نموذج رجولة لا يقوم على الهيمنة أو الكتمان، بل على الإصغاء والقدرة على الاعتذار. في غياب هذه الأطر، يبقى من السهل أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى مربٍ غير مرئي يتولى سدّ الفراغ، مع كل ما يحمله ذلك من مخاطر إعادة إنتاج الصور النمطية أو تفويت فرصة الاحتكاك بتلك المنطقة الرمادية التي تصنع نضج العلاقات البشرية.


