يرسم إيلون ماسك تصورًا متكاملًا لمرحلة يعتبر فيها «الإنسان الرقمي» أو نماذج المحاكاة البشرية الرقمية محورًا لفرصة اقتصادية هائلة. بحسب تقديره، قد تصل العائدات إلى بتريليونات الدولارات سنويًا، عبر شركات تعمل في المجال الرقمي وتدار بالكامل تقريبًا بالذكاء الاصطناعي والروبوتات.
ينطلق ماسك من ملاحظة أن كبريات الشركات المدرجة حاليًا من حيث القيمة السوقية تعتمد في جوهر نشاطها على إنتاج رقمي. فهو يوضح أن شركات مثل آبل أو مايكروسوفت أو ميتا أو غوغل لا تتمثل قيمتها في مصانع أو خطوط إنتاج مادية بقدر ما تقوم على ملفات وبرمجيات وخدمات رقمية يتم تنفيذها أو إنتاجها في أماكن أخرى أو عبر متعاقدين خارجيين. في هذا السياق يرى أن تطوير «محاكي بشري» رقمي قادر على أداء وظائف واسعة تشبه ما يقدمه الموظفون المعرفيون من شأنه أن يتيح إنشاء واحدة من أكثر الشركات قيمة في العالم بسهولة، نظرًا لسهولة توسيع نطاق الخدمات الرقمية مقارنة بالأنشطة المادية التقليدية.
يختار ماسك مثال خدمة الزبائن لتقريب الفكرة، معتبرًا أن هذا القطاع قد يمثل، وفق تقديره، نحو واحد في المئة من الاقتصاد العالمي، أي ما يوازي تقريبًا تريليون دولار من القيمة سنويًا. كما يشير إلى أنه مجال مفتوح بلا عوائق كبيرة لدخول منافسين جدد. في النموذج التقليدي، يتطلب تحسين الخدمة عبر أدوات رقمية متقدمة عمليات دمج معقدة مع واجهات برمجة التطبيقات الخاصة بالشركات. يزداد تعقيدها عندما يتعلق الأمر بمؤسسات لا تمتلك أصلًا بنى تقنية حديثة أو واجهات جاهزة للتكامل، ما يجعل دورة التحديث بطيئة ومكلفة. بالمقابل، يطرح ماسك سيناريو بديل يقوم فيه الذكاء الاصطناعي على التعامل مباشرة مع نفس المواد والقنوات والأدوات التي تستخدمها شركات التعهيد المتخصصة في خدمة الزبائن. من دون الحاجة إلى إعادة تصميم أنظمة الزبون أو بناء واجهات جديدة، مما يختصر الزمن والتكلفة ويفتح المجال أمام عرض خدمة فورية وبسعر أدنى بكثير من التكلفة الحالية.
من هذه الزاوية، يقدّم ماسك صورة سوق محتملة تستطيع فيها أنظمة ذكاء اصطناعي متقدمة أن تدخل مجالات مثل مراكز الاتصال وخدمات الدعم الفني والردود الروتينية على استفسارات العملاء. تستفيد هذه الأنظمة من بنية قائمة أصلًا لدى شركات التعهيد وتستخدم نفس التطبيقات والبيئات التشغيلية، ولكن بكفاءة أعلى وتكلفة أقل. الإيحاء الضمني أن القيمة التي يمكن التقاطها هنا لا تتعلق فقط بتقليص الإنفاق، بل أيضًا بإمكانية توسيع عدد التفاعلات وجودتها. وهذا يعني زيادة حجم العمليات من دون الحاجة إلى توظيف أعداد إضافية من العاملين البشريين.
في المقطع الثاني، ينتقل ماسك إلى مستوى أوسع. يتحدث عن أثر هذه الديناميات على شكل الشركات نفسها، ويتوقع بروز مؤسسات تقريبًا خالية من البشر، تعتمد كليًا على الذكاء الاصطناعي والروبوتات في تشغيل عملياتها. يوضح أن وظيفة «المُحاسِب» أو «الحاسِب» كانت في السابق بشرية يمارسها آلاف الأشخاص في مبانٍ كاملة مخصصة للعمليات الحسابية، قبل أن تتحول هذه إلى جداول بيانات على حاسوب محمول واحد قادر على إنجاز كميات لا تُقارن بما كان يوفره مبنى كامل من الموظفين. بناء على هذا المثال، يقترح أنه إذا تُرك جزء من «خلايا» جدول للحساب البشري فيما تتولى الخلايا الأخرى الحاسوب، فإن الأداء سيكون أدنى بكثير من جدول يُدار بالكامل آليًا. هذا يعني أن وجود البشر في «الحلقة» يظل عنصرًا مقيِّدًا لسرعة التنفيذ وحجم العمليات.
من هذا التشبيه، يستخلص ماسك نتيجة مفادها أن الشركات أو «التجمعات» التي تقوم على أنظمة ذكاء اصطناعي وروبوتات خالصة ستتفوق، في رأيه، بفارق واضح على التي تبقي البشر جزءًا من دورة اتخاذ القرار أو التنفيذ. يشدد على أن هذا الانتقال قد يكون سريعًا، بحيث يجد السوق نفسه أمام كيانات اقتصادية جديدة، عالية الكفاءة وقادرة على خفض التكاليف ورفع الإنتاجية إلى مستوى يصعب على الشركات التقليدية ملاحظته.
في خلفية هذا الطرح، يلوّح ماسك بإقرار ضمني بأن هذه الرؤية قد تبدو متشائمة للبعض، خصوصًا من زاوية سوق العمل ومستقبل الوظائف البشرية. لكنه يقدّمها باعتبارها توقعًا تقنيًا لمسار محتمل أكثر منها دعوة معيارية أو حكمًا قيميًا على هذا التحول. بالنسبة لصناعة الإعلام والقطاعات الأخرى المعتمدة على العمل المعرفي، يفتح هذا التصور نقاشًا واسعًا حول حدود ما يمكن أن يتولاه الذكاء الاصطناعي في سلاسل القيمة، وحول موقع البشر في مؤسسات قد يعاد بناؤها تدريجيًا على أساس نماذج «الإنسان الرقمي» والمؤسسات ذات الإدارة الآلية.

