تطرح مداخلة الرئيس التنفيذي لمنصة ريبليت، أمجد مساد، حول «الوظائف الأعلى دخلاً في عصر الذكاء الاصطناعي» رؤية واضحة تضع ريادة الأعمال وملكية الأصول في مركز صناعة الثروة، مقابل الاكتفاء بالأجر الشهري. يستعيد مساد تجربته الأولى في سوق العمل الأميركي عندما التحق بشركة «كود أكاديمي» في نيويورك، التي بيعت لاحقاً بنحو نصف مليار دولار، موضحاً أنه فضّل منذ البداية الحصول على أكبر قدر ممكن من الأسهم في الشركة على حساب مستوى الراتب، مكتفياً بدخل يكفيه لتأمين احتياجاته الأساسية، رغم صعوبة العيش براتب قدره 70 ألف دولار سنوياً في مدينة باهظة التكاليف مثل نيويورك، وما رافق ذلك من تقاسم استوديو سكني مع أشخاص آخرين.
من هذا المنطلق، يعيد مساد تعريف العلاقة بين العمل والثروة في بيئة اقتصادية تعيد الذكاء الاصطناعي تشكيلها بوتيرة متسارعة. فبحسب ما يرد في المقطع المرفق، لا يرى مساد أن الأجر، مهما ارتفع، هو الطريق الأجدى لبناء ثروة طويلة الأمد، بل يعتبر أن جوهر المسألة يكمن في «الملكية»؛ أي حيازة حصص في شركات أو مشاريع لها قابلية للنمو والتوسع.
ينطلق هذا التصور من قراءة أوسع لتحولات سوق العمل في قطاع التكنولوجيا، حيث يشير مساد في حوارات أخرى إلى أن القيمة المضافة التي يخلقها المهندسون والمطورون تفوق بكثير مستويات أجورهم، وأن الفارق بين ما يتقاضاه الموظف وما تدرّه مساهمته على الشركة يذهب في النهاية إلى حاملي الأسهم. ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعي القادرة على أتمتة أجزاء متزايدة من عملية تطوير البرمجيات، يتراجع وزن «بيع الوقت مقابل الأجر» لصالح نماذج تستند إلى امتلاك أدوات، أو منصات، أو حقوق فكرية قابلة للتوسع. في هذا السياق، تصبح حيازة الأسهم أو الحصص في شركات ناشئة، أو المشاركة في مشاريع رقمية قابلة للنمو، آلية عملية لتحويل المهارات والمعرفة إلى ثروة، بدلاً من الاكتفاء بتحويل الجهد اليومي إلى راتب ثابت.
ويقدّم مساد ترتيباً هرمياً بسيطاً لبناء ما يسميه «الأسهم» أو «الملكية». في المرتبة الأولى يأتي تأسيس مشروع خاص، حيث يمتلك صاحبه الحصة الأكبر من العائد المستقبلي في حال نجاحه. في المرتبة الثانية، الانضمام في مرحلة مبكرة إلى شركة أطلقها آخرون، مقابل الحصول على حصة من الأسهم إلى جانب الراتب. وفي مستويات أخرى، يشير في المقطع ذاته إلى إمكانية الاستثمار في مشاريع الأصدقاء أو الشركاء، أو المفاوضة على الحصول على حصص في الشركات مقابل مهارات معينة، مثل جمهور رقمي واسع لدى مؤثرين يرغبون في الشراكة مع رواد أعمال.
هذا التصور يعيد أيضاً رسم العلاقة بين العمر، ومستوى المخاطرة، ونوعية العوائد. ففي شهادته الشخصية، يربط مساد قبوله بمستوى معيشة متقشف في نيويورك بكونه في العشرينات من عمره، حيث يكون الشخص – برأيه – أكثر قدرة على تحمّل ضغوط النوم القليل، وتواضع ظروف السكن، والانشغال الكثيف ببناء المسار المهني، مقابل تعظيم حصة الملكية في مشروع ذي إمكانات نمو عالية. ويستبطن هذا الخطاب فكرة أن السنوات الأولى من الحياة المهنية قد تكون الأنسب لتحمل مخاطر أكبر سعياً إلى بناء أصول، على أن تأتي المكافأة لاحقاً عبر ارتفاع قيمة هذه الحصص إذا نجحت الشركة في التوسع أو في تحقيق عملية استحواذ أو إدراج في الأسواق المالية.
في خلفية هذه الرؤية، ينعكس أيضاً نقاش أوسع حول تأثير الذكاء الاصطناعي على طبقات الدخل والفرص. فمع توسع استخدام «الوكلاء» والأدوات المؤتمتة في البرمجة وإدارة الأعمال، كما يشرح مساد في مقابلات مطوّلة عن مستقبل تطوير البرمجيات، تتجه القيمة الاقتصادية إلى من يمتلك المنصات والبنى التحتية والأدوات، أكثر من العاملين الذين ينفذون المهام الروتينية. وفي هذا الإطار، يصبح «التحول إلى مالك» – عبر أسهم أو حصص أو منتجات رقمية مستقلة – محاولة لاستباق اتساع الفجوة بين من يملكون الأصول التقنية ومن يكتفون ببيع وقتهم في سوق عمل يعاد تشكيله بواسطة الخوارزميات.
انطلاقاً من هذه المعطيات، تطرح مقاربة مساد أسئلة عملية على الشباب العاملين في مجالات التكنولوجيا والاقتصاد الرقمي وغيرهما: إلى أي حد يمكن تقبّل مداخيل أقل في المدى القصير مقابل حصة أكبر من ملكية مشروع واعد؟ وكيف يمكن تقييم المخاطر المرتبطة بشركات ناشئة قد لا تصل أبداً إلى مرحلة الربحية أو التخارج؟ كما تفتح النقاش على نماذج عمل هجينة تجمع بين الوظيفة التقليدية والاستثمار الجزئي في مشاريع ناشئة أو منصات رقمية، في محاولة للتوفيق بين الاستقرار النسبي الذي يوفّره الراتب، وإمكانات النمو التي تتيحها الملكية في عصر تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي على مستوى الاقتصاد برمّته.

