أثار مقطع صُوِّر في أروقة البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ مشاعر متباينة في الأوساط الإعلامية والسياسية بعد أن أظهر مجموعة من المسؤولين الأوروبيين وهم يعجزون عن تحديد موقع إيران على خريطة مبسطة للمنطقة. في هذا التسجيل، الذي أُنجز لصالح برنامج تلفزيوني فرنسي ذي أسلوب ساخر، يطلب الصحفي من عدد من النواب ومسؤول حكومي فرنسي الإشارة إلى إيران على خريطة صماء، فيأتي معظم الجوابات خاطئاً ومتجهة نحو دول أخرى مجاورة أو بعيدة نسبياً. بدا لافتاً أن هذا الارتباك يصدر عن شخصيات تشارك في نقاشات متكررة حول ملفات مرتبطة مباشرة بإيران، مثل الأمن الإقليمي والنووي والعقوبات والتوترات العسكرية الراهنة.
المقطع الذي انتشر على نطاق واسع عبر المنصات الرقمية يظهر نائبين من الأغلبية الرئاسية الفرنسية، إلى جانب منتخبين من تيار الوسط والخضر واليسار، وهم يحاولون تباعاً تحديد موقع الجمهورية الإسلامية دون نجاح، فيشير أحدهم إلى منطقة البلقان، فيما تختار أخرى تركيا، وتذهب ثالثة في اتجاه أفغانستان أو باكستان، بينما يعتبر رابع أن المنطقة المقصودة هي شبه الجزيرة العربية. يتخلل المشهد تعليق صوتي يشرح أن الصحفي طرح السؤال نفسه على نحو خمسين شخصية سياسية أوروبية على هامش جلسة برلمانية مخصصة لمتابعة تطورات الحرب الدائرة بين إيران من جهة، وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وأن نسبة ملموسة من العينة وقعت في الخطأ نفسه أو أبدت تردداً واضحاً قبل الاستسلام للعجز عن الإجابة.
خروج اللقطات من سياقها التلفزيوني الأول جعلها تكتسب دلالة إضافية مع تداولها مترجمة أو مرفقة بتعليقات في لغات مختلفة على الشبكات الاجتماعية. صفحات تعنى بالشأن الإيراني، وأخرى مرتبطة بالمعارضة في المنفى، أعادت نشر الفيديو باعتباره دليلاً على أن قطاعاً من النخبة الأوروبية التي تشارك في رسم السياسة الخارجية تجاه طهران يفتقر إلى معرفة أساسية بجغرافيا المنطقة. بعض هذه المنابر ربط بين المشهد ومرحلة توصف بأنها عقود طويلة من نهج أوروبي يميل إلى استيعاب النظام الإيراني عبر آليات الحوار والانفتاح، مع ما صاحب ذلك من انتقادات من جانب ناشطين ومعارضين لإغفال ملف الانتهاكات الداخلية. في المقابل، تعاملت حسابات أخرى مع الفيديو في إطار التندر أو السخرية من مستوى الثقافة العامة لدى الطبقة السياسية، من دون التوسع في أبعاد جيوسياسية أو أخلاقية أعمق.
وسائل إعلام فرنسية ومحلية في منطقة الألزاس خصصت بدورها مقالات تحليلية للواقعة، فرأت أن المشاهد تعكس في جانب منها ضعفاً متجذراً في الثقافة الجغرافية لدى شرائح واسعة من المواطنين، وهي مسألة كثيراً ما تظهر في استطلاعات للرأي أو اختبارات ميدانية. غير أن هذه الوسائل أشارت في الوقت نفسه إلى أن خصوصية الحالة تكمن في أن الشخصيات المعنية لا تمثل جمهوراً عاديّاً، بل تتولى مناصب تشريعية أو تنفيذية وتسهم في بلورة مواقف تخص قضايا تتداخل فيها الجغرافيا بالاقتصاد والطاقة والأمن والدفاع. أحد النواب الذين ظهروا في التسجيل حاول التقليل من صدى الحادثة بتصريح صحفي لاحق يؤكد فيه أن المسؤولين المنتخبين ليسوا «موسوعات معرفية» وأنهم يعتمدون على فرق خبيرة وإدارات متخصصة في الملفات المعقدة، لكن ذلك لم يمنع استمرار موجة التعليقات المنتقدة على المنصات الرقمية.
الحادثة أعادت إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز حدود الواقعة ذاتها، ويتعلق بالحد الأدنى من المعارف العامة التي يُفترض في صانعي القرار امتلاكها في عالم تتسارع فيه الأزمات العابرة للحدود. فإيران، التي تقع عند تقاطع طرق حيوية بين آسيا الوسطى والخليج والشرق الأوسط الأوسع، تشغل موقعاً محورياً في حسابات الطاقة والممرات البحرية والتوازنات العسكرية، كما أن حضورها في النقاش الأوروبي يتصاعد كلما تجددت التوترات في المنطقة أو أُعيد فتح ملف برنامجها النووي والعقوبات المرتبطة به. من هذا المنطلق، وجد كثيرون في المشهد مادة رمزية تختصر فجوة قائمة بين طبيعة الملفات المطروحة على طاولة المؤسسات الأوروبية وبين مستوى الإلمام المباشر بجغرافيا ومجتمعات المناطق المعنية لدى جزء من ممثليها المنتخبين. هذه الفجوة، في نظر عدد من المتابعين، تغذي شعوراً متنامياً لدى الرأي العام في الشرق الأوسط بأن القرارات التي تؤثر في مصائر شعوبه تُصاغ أحياناً داخل مكاتب بعيدة عن تفاصيل المكان والإنسان.

