روبرت غرين يعيد تعريف علاقتنا بالذكاء الاصطناعي

نشر بتاريخ 04/02/2026
منصة الخبر

يرى الكاتب الأمريكي المتخصص في تحليل السلطة والطبيعة البشرية روبرت غرين أن السؤال الحاسم في عصر الذكاء الاصطناعي لا يتعلق بقوة الأدوات الجديدة بقدر ما يتعلق بمن يقود من؛ هل الإنسان هو الذي يوجه الأداة، أم أن الأداة هي التي تعيد تشكيل طريقة تفكيره من العمق وتجرّه ببطء نحو التبعية الذهنية والكسل العقلي الذي يصعب رصده في بداياته ؟ ينطلق غرين من فكرة بسيطة تبدو بديهية، وهي أن الأدوات عبر التاريخ كانت امتدادًا للقدرات البشرية، من المطرقة إلى العجلة إلى التلسكوب، غير أن الذكاء الاصطناعي، بخلاف هذه الأدوات المادية، يتسلل مباشرة إلى صميم عملية التفكير ذاتها، فيقترح الأفكار ويصوغ الجمل ويدير الإيقاع المعرفي اليومي للفرد إلى حد يهدد بتحويل العقل البشري من منشئ للأفكار إلى مجرد مصحح أو مراقب سطحي لمخرجات آلة تتكفل بالجهد الأثقل في الإنتاج الذهني.



ويشير غرين إلى أن جانبًا من تعامله النظري مع الذكاء الاصطناعي يمكن فهمه من خلال منظوره في كتابه المعروف عن قوانين السلطة؛ فهناك قانون شهير يقوم على جعل الآخرين ينجزون العمل مع الاحتفاظ الشخصي بالفضل والمكافأة، بينما يضيف الذكاء الاصطناعي اليوم طبقة جديدة على هذه المعادلة، إذ يغدو المستخدم قادرا على إنجاز مقالات ورسائل وأبحاث كاملة عبر أنظمة كتابة آلية مع نسبها إلى نفسه بوصفها نتاجًا أصيلًا، بما يجعل الخداع جزءًا بنيويًا من ممارسة السلطة المعرفية في البيئات التعليمية والمهنية. يتوقف غرين بشكل خاص عند انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي في الجامعات لكتابة المقالات، وفي الحياة العملية لصياغة الرسائل والتقارير، ويرى أن هذه الممارسات تمنح من يلجأ إليها قوة ظاهرية في المدى القصير لكنها تضعف في العمق قدرته على تطوير مهارات التعبير والتنظيم الفكري التي يفترض أن تتشكل عبر الاحتكاك المباشر باللغة والبحث والكتابة.

ومع أن غرين يقر بأن الذكاء الاصطناعي لا يغير جوهر قوانين السلطة بقدر ما يسهل تطبيق بعضها، خصوصًا ما يتصل بالخداع وصناعة الصور الزائفة والتلاعب بالمعلومات، فإنه يعتبر أن موضع القلق الأكبر لا يتجلى في هذا الحقل بل في المسار الذي تناوله في كتابه عن التمكن المهني؛ ففي هذا العمل يقدم العقل البشري بوصفه أروع أداة عرفها الكون، أداة تفوقت عبر آلاف السنين من التطور البطيء في بناء العلوم والفنون والآداب والتقنيات إلى درجة تجعل من الصعب تصور الإنجازات الحضارية خارج إطار هذه الطاقة التراكمية المعقدة. من هذا المنطلق يرى أن جوهر التمكن يكمن في عملية طويلة الأمد من التدريب الذهني، تتضمن القراءة العميقة والبحث المنهجي والتكرار الهادئ للتفكير في الأفكار حتى تتشربها الذات وتعيد إنتاجها في صورة رؤى شخصية جديدة، وهي عملية لا يمكن اختصارها أو تفويضها إلى برنامج آلي دون أن يُفقد العقل تلك الطبقات المتراكمة من الخبرة التي تمنحه القدرة على الابتكار الأصيل.

ويقدم غرين تجربته في البحث والتأليف مثالًا على هذا المسار الطويل، إذ يصف كيف يكرس وقتًا كبيرًا للتنقيب عن المصادر والعودة إلى الكتب، ثم المرور بمرحلة تأمل متدرج في الأفكار، قبولًا ورفضًا، حتى تتحول المادة الخام إلى جزء من نسق فكري داخلي يعبر عنه بأسلوبه الخاص، وهو نمط من الاشتغال يراه اليوم عرضة للتآكل مع انزلاق كثيرين إلى اعتماد مخرجات الذكاء الاصطناعي بوصفها بديلًا عن القراءة المتأنية وبناء الملكة التعبيرية الذاتية. يحذر غرين من أن الاستغناء عن هذا النوع من الجهد المعرفي المتراكم يؤدي إلى ضمور بطيء في القدرات العقلية الأعمق، بحيث يتراجع مستوى التعقيد في التفكير ويزداد الميل إلى التعامل السريع مع السطحيات، الأمر الذي ينعكس في عجز متنام لدى الأفراد عن تحليل المشكلات المركبة أو صياغة حجج راسخة الذات من دون مساعدة تقنية مباشرة.

ويمتد هذا القلق في نظره إلى أفق زمني أبعد؛ إذ يتساءل عما سيحدث بعد عقود حين تتولى أجيال اعتادت تفويض أغلب مهامها الذهنية إلى أنظمة ذكية مسؤوليات حيوية في مجالات الهندسة المعمارية وتصميم الجسور وبناء المؤسسات وصياغة الحركات السياسية واتخاذ القرارات المصيرية في الشؤون العامة. في هذا السيناريو يخشى غرين من أن يؤدي الاعتماد المفرط على الأدوات الذكية، دون امتلاك قاعدة صلبة من المهارات العقلية الذاتية، إلى خلل عميق في جودة القرارات والمشاريع الكبرى، لأن المجتمع سيكون قد خسر عددًا متزايدًا من الخبراء القادرين على التفكير المستقل وعلى تحمل عبء المسؤولية المعرفية الكاملة عن اختياراتهم.

انطلاقًا من هذا التصور يعيد غرين تعريف الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة مزدوجة الحافة؛ فهو من جهة امتداد لقدرة الإنسان على الاستطلاع والتحليل والتخيل، ومن جهة أخرى تهديد صامت لإمكاناته إذا تحول إلى بديل عن الجهد الذهني بدل أن يكون معينًا له. ويقترح معيارًا حاسمًا في تقييم استخدام هذه التكنولوجيا، يتمثل في سؤال بسيط ظاهريًا: هل يسمح استخدام الذكاء الاصطناعي للعقل بأن يعمل بعمق أكبر، عبر استثمار المخرجات التقنية لبناء أفكار أصلية خاصة بالمستخدم، أم أنه يكتفي بتحويل العقل إلى مستهلك لمواد جاهزة لا يضيف إليها سوى تعديلات طفيفة؟.

يعرب غرين عن انشغال واضح بمستقبل القدرة البشرية على التفكير المستقل إذا استمر الميل المتصاعد إلى الكسل المعرفي والبحث عن الطرق الأقصر في التعلم والكتابة واتخاذ القرار، مستفيدًا من سهولة الوصول إلى أدوات قادرة على إنتاج نصوص متماسكة في ثوان معدودة. ويعتبر أن الحفاظ على قوة العقل في هذا السياق يستلزم وعيًا ذاتيًا دائمًا بطبيعة العلاقة مع الأدوات الجديدة، بحيث تبقى في موقع المساعد الذي يوسع الأفق ولا تنتقل تدريجيًا إلى موقع البديل الذي يحل محل عملية التفكير ذاتها، وهو تمييز يرى أنه سيحدد إلى حد بعيد شكل التوازن المقبل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.