يتبدّل الخطاب في قمة الهرم التنفيذي بسرعة لافتة: بعدما كان النقاش ينصب لعقود على كيفية دفع الموظفين إلى العمل أكثر، بات عدد متزايد من قادة الشركات الكبرى يطرح العكس تمامًا، مستندًا إلى وعود الذكاء الاصطناعي والروبوتات بتفجير الإنتاجية. تصريحات رئيس شركة «زووم» الذي عبّر عن رفضه للعمل خمسة أيام وتوقّع أسبوعًا من ثلاثة أيام بحلول 2031، جاءت امتدادًا لموجة أوسع يشارك فيها رئيس «جي بي مورغان تشيس» جيمي ديمون الذي تحدّث عن إمكانية أن يعمل الجيل القادم ثلاثة أيام ونصف أسبوعيًا بفضل نمو الكفاءة الناتج عن تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة. في الاتجاه نفسه، طرح سام ألتمان عبر وثيقة سياسات حديثة فكرة أسبوع من أربعة أيام (32 ساعة) مع الحفاظ على أجر 40 ساعة، باعتبار أن مكاسب الإنتاجية التي تحققها أنظمة الذكاء الاصطناعي يجب أن تُترجَم إلى وقت فراغ إضافي للمواطنين لا إلى مزيد من الضغط على قوة العمل.
هذا التحوّل في خطاب القيادات التنفيذية يرتبط بعدة عوامل متشابكة، في مقدمتها القناعة المتزايدة بأن الأتمتة لن تقتصر على المهام اليدوية أو المتكررة، بل ستمتد إلى العمل المعرفي الذي كان يعتبر حتى وقت قريب أقل قابلية للاستبدال. التقديرات المتداولة أشارت إلى احتمال تأثر مئات الملايين من الوظائف عالميًا بحلول العقد المقبل، ما يدفع رؤساء الشركات إلى التفكير في كيفية إعادة توزيع العمل بدل الاكتفاء بتقليص عدد العاملين. ومن منظور اقتصادي، تشير دراسات حديثة إلى أن الاستخدام الكثيف لتقنيات الذكاء الاصطناعي يرتبط بمرونة أكبر حيال تقليص عدد أيام العمل؛ فاستطلاع أجرته جهة بحثية على قادة شركات في الولايات المتحدة بيّن أن نحو ثلث المؤسسات التي تبنّت أسبوع العمل من أربعة أيام تعتمد الذكاء الاصطناعي بشكل واسع في عملياتها الداخلية.
في الجانب الاجتماعي والسياسي، تتقاطع هذه الدعوات مع نقاش أوسع حول «عقد اجتماعي» جديد، يهدف إلى ضمان تقاسم عوائد الثورة التكنولوجية بين رأس المال والعمل. وثيقة السياسات التي أصدرتها «أوبن إيه آي» تقترح إنشاء صندوق ثروة عام يمكّن المواطنين من الاستفادة المباشرة من أرباح الشركات المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، وتمويل تجارب أسبوع العمل الأقصر دون تخفيض الرواتب عبر ضرائب على الأرباح ورأس المال والأتمتة. هذا النوع من الطروحات يجد صدى لدى بعض المديرين التنفيذيين في القطاع المالي والتقني الذين يحذّرون في الوقت نفسه من اضطرابات اجتماعية محتملة إذا جرى تعميم الأتمتة بسرعة من دون سياسات تعويض وإعادة تأهيل كافية، ويدعون إلى برامج مشتركة بين الحكومات والشركات لتمويل إعادة تدريب العمال والحد من التسريحات الجماعية.
تبدو تجارب أسابيع العمل الأقصر، حيث طُبّقت في دول مثل المملكة المتحدة وآيسلندا، عاملًا إضافيًا في تغيير مزاج صانعي القرار في الشركات؛ فنتائج عدة تجارب تشير إلى قدرة الشركات على الحفاظ على مستويات الإنتاجية أو تحسينها مع تقليص ساعات العمل، إلى جانب تحسّن مؤشرات الرضا الوظيفي والاحتفاظ بالموظفين، ما يجعل الفكرة أقل مخاطرة تجارية وأكثر قابلية للتسويق للمستثمرين. ومع ذلك، يظل تطبيق هذه الرؤى مقترنًا بعدة محددات، من بينها تفاوت القطاعات في قدرتها على الأتمتة، والفجوات بين الاقتصادات المتقدمة والنامية، إضافة إلى الخشية من أن يتحول جزء من الوظائف المتفرغة إلى عقود مؤقتة أو منصات عمل رقمية غير مستقرة بدل أن ينعكس مكسبًا صافياً للعمال. لهذه الأسباب، يبدو أن تحوّل تصريحات كبار المديرين إلى سياسات ملزمة على نطاق واسع سيحتاج إلى تجارب متدرجة، ونقاشات تشريعية ممتدة، وتوافقات جديدة بين الحكومات والنقابات وأرباب العمل حول معنى «العمل الكامل» في عصر الذكاء الاصطناعي.


