يشير المهندس والباحث في الذكاء الاصطناعي أندrej كارباتهي إلى أنّ البرمجة دخلت منذ أواخر عام ٢٠٢٥ مرحلة مختلفة جذرياً، بعد ما يصفه بـ«تغيّر الطور» في قدرات الوكلاء البرمجيين القادرين على تنفيذ مهام معقّدة من البداية إلى النهاية بدرجة من التماسك لم تكن ممكنة قبل ذلك التاريخ. ففي غضون أسابيع قليلة، انتقل أسلوب عمله الشخصي من الاعتماد شبه الكامل على الكتابة اليدوية مع بعض الإكمال التلقائي إلى نمط يُسند فيه نحو ثمانين في المئة من العمل البرمجي إلى وكلاء ذكاء اصطناعي، قبل أن يتوقف عن البرمجة المباشرة تقريباً مكتفياً بالمراجعة والتعديل. هذا التحوّل السريع منح إحساساً بتمدد الطاقة الإنتاجية البشرية إلى مستوى لا يوازيه في الوعي سوى شعور بالتيه إزاء سرعة التغيّر وتقلب تعريف «قدرة المبرمج» ذاته.
يستند هذا التحول إلى تزامن عوامل عدة، من بينها نضج جيل جديد من النماذج اللغوية الكبيرة ورفع مستوى الترابط المنطقي في الاستجابات، ما سمح للوكلاء البرمجيين بأداء سلاسل من الخطوات تشمل إعداد بيئات العمل، ومعالجة الأخطاء، وتهيئة الخوادم، وبناء الواجهات، وصولاً إلى تشغيل خدمات متكاملة مع تدخل بشري محدود نسبياً. كما اتجهت شركات متخصصة إلى تحويل هذه القدرات إلى منتجات جاهزة، إذ تشير تقارير صناعية إلى أن قرابة تسعين في المئة من المؤسسات باتت تستخدم الذكاء الاصطناعي لمساندة فرق التطوير، فيما تعتمد نسبة مرتفعة منها على وكلاء ينفذون مهام إنتاجية في بيئات فعلية. وبذلك يصبح «البرمجي» في كثير من الحالات مشرفاً على عملية تصميم وتقييم وتوجيه، أكثر منه كاتباً مباشراً لكل سطر من الشيفرة.
غير أن كارباتهي يحذّر في الوقت نفسه من موجة واسعة من الشيفرات التي يصفها بمحتوى «الشلوب» المولّد آلياً، والمتوقع أن تتفاقم خلال عام ٢٠٢٦ مع انتشار الوكلاء البرمجيين وقدرتهم على إنتاج كميات هائلة من الشيفرة في وقت قصير. هذا القلق لا يرتبط فقط بجودة البنية البرمجية الظاهرية، إذ إن كثيراً من الشيفرات المنتجة تبدو سليمة شكلياً وقابلة للتنفيذ، لكنها تخفي عيوباً منطقية دقيقة، أو هشاشة في التصميم، أو اعتماداً على افتراضات غير موثقة، ما يجعل اكتشاف الخلل مؤجلاً إلى مرحلة التشغيل في بيئات حقيقية. وتثير دراسات حديثة أرقاماً لافتة، من بينها أن قسماً كبيراً من المقترحات البرمجية التي تولدها الأدوات الذكية يحتوي على أخطاء أو ثغرات، وأن نسبة ملموسة من الشيفرات المولدة تضم عناوين حزم أو مكونات غير موجودة أصلاً.
ترتبط هذه الإشكالات مباشرة بأمن التطبيقات واستقرارها، إذ توضح أبحاث في مجال الأمن السيبراني أن ما يربو على ستين في المئة من الحلول البرمجية المقترحة آلياً يتضمن عيوب تصميم أو ثغرات معروفة أمنياً، حتى عندما تُستخدم أحدث النماذج المتاحة في السوق. وتعكس هذه النتائج فجوة بين ما تتيحه الأدوات من تسريع في الإنتاج وبين قدرتها على استيعاب نماذج المخاطر الداخلية لكل مؤسسة، ومعاييرها الخاصة في بناء البرامج، ومتطلبات الامتثال والتنظيم. وفي غياب طبقات صارمة من المراجعة البشرية والاختبارات الآلية المتقدمة، يمكن أن تتحول هذه الفجوة إلى تراكم متسارع في الدين التقني والمخاطر، لا سيما مع اتساع الاعتماد على الوكلاء في خطوط الإنتاج الرئيسية.
على صعيد الثقة، تظهر تقارير مستقلة أن تبنّي أدوات البرمجة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي بلغ مستويات مرتفعة لدى المطورين، مع تقديرات بوصول الاستخدام إلى ما يزيد على أربعة أخماس العاملين في هذا المجال، في حين تراجعت الثقة في مخرجات هذه الأدوات إلى نحو ثلث المستخدمين فقط. ويفيد عدد كبير من المطورين بوقوعهم في ما يشبه «منطقة حمراء» يعتمدون فيها على الأدوات يومياً مع شعور مستمر بعدم الاطمئنان إلى صحة الكود الناتج، واعتقاد بأن مقترحاً من كل خمسة مقترحات تقريباً يحتوي على خطأ أو معلومة مضلّلة. في موازاة ذلك، تشير بيانات عن اتساع حجم الشيفرات المتكررة وتزايد معدل التعديل اللاحق على الكود المنتج آلياً، بما يعكس اتجاهاً إلى تضخم الكتلة البرمجية وتراجع استقرارها عبر الزمن.
مع انتقال المؤسسات من التجارب المحدودة إلى نشر الوكلاء البرمجيين على نطاق واسع، تتجه بعض التقارير إلى توصية فرق التطوير باعتماد طبقة من «الوكلاء الرقباء» الذين يستخدمون الذكاء الاصطناعي ذاته لمراجعة الإنتاج الآلي، عبر تحليلات أمنية آلية واختبارات متقدمة للكود قبل دمجه في الأنظمة الحيوية. غير أن ذلك لا يلغي الحاجة إلى أدوار بشرية متخصصة أعلى قيمة، تتمحور حول هندسة المتطلبات، وتصميم المعماريات، ورسم سياسات الجودة والأمن، وبناء أنظمة مراقبة مستمرة لتأثير الوكلاء على البنية البرمجية ككل. في هذا المشهد، تبدو «لحظة كارباتهي» علامة على انتقال البرمجة من حرفة تتركز في كتابة الشيفرة إلى مهنة تدير منظومة من الوكلاء والخوارزميات، مع ما يحمله ذلك من وعود بتوسيع القدرة الإنتاجية، ومن تحديات تتعلق بجودة ما ينتجه هذا التوسع وحدود موثوقيته.


