أعلنت شركة الأدوية الدنماركية نوفو نورديسك عن شراكة استراتيجية مع شركة OpenAI تهدف إلى إعادة تشكيل دورة حياة الدواء، من لحظة الفكرة الأولى في المختبر وحتى وصول العلاج إلى المريض، عبر إدماج نماذج ذكاء اصطناعي متقدمة في مختلف مراحل البحث والتطوير والتصنيع والتوزيع. تم تقديم هذه الشراكة على أنها خطوة طويلة الأمد، وليست تجربة محدودة أو مشروعاً تجريبياً عابراً، مع رهان واضح على أن الذكاء الاصطناعي بات جزءاً من البنية التشغيلية للصناعة الدوائية الحديثة.
ووفق البيان الصادر من مقر الشركة في باجسفارد في الرابع عشر من أبريل ٢٠٢٦، تسعى نوفو نورديسك إلى استخدام قدرات النماذج التي تطورها OpenAI لتحليل قواعد بيانات ضخمة ومعقدة تخص الأحياء الجزيئية والسريرية، واستخلاص أنماط وعلاقات خفية يمكن أن تقود إلى جزيئات دوائية واعدة، وتقليص الزمن الفاصل بين الاكتشاف المخبري ووصول العلاج إلى المريض. ويُنظر إلى هذا التوجه خصوصاً في مجالات الأمراض المزمنة مثل داء السكري والسمنة، حيث تمتلك الشركة أدوية معروفة عالمياً وتبحث عن جيل جديد من العلاجات التي تستند إلى فهم أدق لمسارات المرض البيولوجية.
الشراكة لا تقتصر على مرحلة البحث العلمي، بل تمتد إلى عمليات التصنيع وسلاسل الإمداد والتوزيع، إذ تخطط نوفو نورديسك لاستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي لتحسين كفاءة خطوط الإنتاج، والتنبؤ بالطلب على الأدوية في الأسواق المختلفة، وإدارة المخزون والخدمات اللوجستية بطريقة أكثر دقة واستباقية. كما تتضمن الترتيبات تعاوناً لتوظيف النماذج في الوظائف الإدارية والمؤسسية، بما في ذلك الشؤون المالية والموارد البشرية والاتصال، في محاولة لبناء بيئة عمل تعتمد بصورة منهجية على التحليل الآلي للبيانات.
من الناحية التقنية، تشير نوفو نورديسك إلى أن الاتفاق مع OpenAI تكاملي مع شراكات أخرى في مجال الحوسبة المتقدمة، مثل التعاون القائم مع شركة Nvidia واستعمال ما يوصف بالحاسوب السيادي Gefion في عمليات النمذجة الحاسوبية للبيولوجيا والبحث الدوائي. هذا التداخل بين نماذج الذكاء الاصطناعي العامة والمنصات الحاسوبية المتخصصة يعكس توجهاً متزايداً لدى شركات الأدوية الكبرى إلى بناء بنى تحتية رقمية قادرة على استيعاب أحجام هائلة من البيانات الجينومية والسريرية وبيانات العالم الحقيقي، وربطها بخوارزميات تصميم الأدوية وتحسين التجارب السريرية.
وتتضمن الشراكة بُعداً بشرياً واضحاً، إذ ستعمل OpenAI على المساهمة في رفع كفاءة القوى العاملة لدى نوفو نورديسك وتطوير ما يوصف بثقافة محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي داخل الشركة، عبر برامج تدريبية وأدوات مخصصة تسهّل على الباحثين والمهندسين والكوادر التجارية التعامل اليومي مع هذه النماذج. ويمثل هذا الجانب محاولة لتجاوز صورة الذكاء الاصطناعي كأداة خارجية معزولة، إلى اعتباره جزءاً من الخبرة المهنية للعاملين في صناعة الأدوية، بما يسمح بنقل المعرفة المتراكمة من المختبرات إلى المنصات الرقمية والعكس.
على مستوى الحوكمة، تشدد نوفو نورديسك على أن هيكل الشراكة مع OpenAI صيغ مع اعتماد آليات صارمة لحماية البيانات، وإرساء أطر واضحة للإشراف البشري والامتثال للمعايير التنظيمية في أسواق الأدوية الكبرى. ويكتسب هذا البعد وزناً خاصاً في ظل حساسية البيانات الصحية وارتباطها بتشريعات الخصوصية والملكية الفكرية، إذ تحاول الشركات المعنية إقناع الجهات المنظمة بأن اعتماد الذكاء الاصطناعي في تطوير الأدوية لا يعني التنازل عن الرقابة البشرية أو عن متطلبات السلامة والشفافية في التجارب السريرية.
تأتي هذه الخطوة في امتداد سلسلة من الشراكات التي نسجتها OpenAI مع فاعلين آخرين في قطاع الأدوية والتقنيات الحيوية خلال الأعوام الأخيرة، من بينها تعاونات مع شركات مثل Eli Lilly، إضافة إلى شراكة ثلاثية مع Sanofi وFormation Bio لتطوير برمجيات موجهة لتسريع تطوير الأدوية باستخدام نماذج مكيّفة على البيانات الدوائية. ويكرس ذلك انطباعاً متزايداً بأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة مساعدة في أطراف عملية البحث، بل يتحول إلى مكوّن بنيوي في النماذج الاقتصادية والتقنية التي تحكم صناعة الدواء العالمية.


