​خريطة جديدة لسلوك الأميركيين في استهلاك الأخبار

نشر بتاريخ 04/22/2026
منصة الخبر

تكشف دراسة حديثة صادرة عن مركز الأبحاث الأميركي المستقل Pew Research Center ملامح تحوّل ملحوظ في الطريقة التي يتعرّف بها الأميركيون إلى الأخبار، بين من يبحث عنها عمداً ومن يصادفها عرضاً في تدفق المحتوى اليومي. تشير المعطيات إلى أنّ ما يقارب نصف البالغين في الولايات المتحدة، بنسبة 49%، يقولون اليوم إنهم يحصلون في الغالب على الأخبار لأنهم يصادفونها من دون تخطيط مسبق، مقارنة بـ39% عام 2019، ما يعكس تنامياً لدور الخوارزميات والشبكات الرقمية في تشكيل الصلة مع المعلومة.



تستند القراءة إلى استطلاع شمل 3560 شخصاً من البالغين الأميركيين، أُجري بين 8 و14 ديسمبر 2025، ضمن لوحة الاتجاهات الأميركية المعروفة باسم American Trends Panel، التي تعتمدها المؤسسة البحثية لقياس تطور العادات الإعلامية وتصورات الجمهور تجاه وسائل الأخبار في المدى المتوسط والبعيد. يميّز التقرير بين نوعين من العلاقة مع المحتوى: استهلاك متعمّد يقوم على البحث المباشر عن المعلومة، واستهلاك عارِض يرتبط بما يعرضه تدفق المنشورات على المنصات الرقمية أو التنبيهات والأحاديث الجانبية.

تُظهر النتائج أن الأنواع التي ترتبط بردود الفعل على الأخبار، مثل المنشورات الساخرة والتعليقات الرأيّة، تُستهلك في الغالب على نحو عفوي. نحو ثلثي المستطلَعين تقريباً يقولون إنهم يرون المنشورات المضحكة حول الأخبار بنسبة 66%، والآراء بنسبة 64%، لأنهم يصادفونها أثناء استخدامهم اليومي للمنصات، بينما تؤكد أقلية فقط أنها تبحث عن هذا النوع من المحتوى على نحو مقصود، حيث لا تتجاوز نسبة من يقولون إنهم يتعمدون الحصول على الآراء 21%، والمنشورات المضحكة 14%. هذه الأرقام تعكس بيئة رقمية تتقدّم فيها وظيفة التعليق والتفاعل على الخبر على حساب الخبر نفسه.

في المقابل، يتعامل الجمهور بحسّ انتقائي مختلف مع المحتوى المعرفي المعمّق. لا يزيد من يقولون إنهم يحصلون على المعلومات المتعمّقة أو «القراءات الطويلة» حول القضايا والأحداث عبر المصادفة على 31%، ما يعني أن غالبية الأميركيين ما زالت تميل إلى البحث المباشر عندما تتعلق الحاجة بفهم خلفيات الأحداث أو تفاصيلها. ينطبق الأمر نفسه على المعلومات الأكثر آنية وتحديثاً؛ إذ يذكر 38% فقط أنهم يصلون إلى أحدث المستجدات عن طريق المصادفة، بينما يُفهَم ضمناً أن النسبة الباقية تلجأ إلى البحث المقصود عن الأخبار عندما يتعلق الأمر بمتابعة التطورات.

يعيد التقرير هذا التباين إلى اختلاف في الوظيفة التي يضطلع بها كل نوع من المحتوى: فالمزاح والتعليق الرأيّي يتغذيان من دينامية المشاركة السريعة والتداول القصير عبر المنصات، بينما تحتاج النصوص المعمّقة والتقارير المحدثة إلى مبادرة من المتلقي ووقت أطول للقراءة والمتابعة. بهذا المعنى، تشكّل البيئة الرقمية فضاءً خصباً للمحتوى الثانوي المرتبط بالأخبار، فيما يحتفظ المحتوى الأصلي الإخباري بدائرة من الجمهور المستعدّ لقطع خطوة إضافية نحو البحث عنه.

على مستوى الفئات العمرية، تبيّن المعطيات أن البالغين الأصغر سنّاً هم الأكثر اعتماداً على المصادفة في الوصول إلى الأخبار. في الشريحة بين 18 و29 عاماً، يقول 52% إنهم يحصلون على أحدث المعلومات حول الأحداث عن طريق ما يصادفونه، مقارنة بـ28% فقط بين من هم في الخامسة والستين وما فوق. يتكرر الاتجاه نفسه بشأن المواد المعمّقة، وإن كانت جميع الفئات تشير، بدرجات متفاوتة، إلى أن هذا النوع من المحتوى غالباً ما يُطلَب قصداً. يتيح هذا الفارق استنتاج علاقة أوثق بين الأجيال الشابة والثقافة الخوارزمية، مقابل استمرار أنماط أكثر تقليدية لدى الفئات الأكبر سناً.

تبرز أيضاً فوارق دالّة وفق مستوى التعليم. بين الحاصلين على شهادات جامعية، تقول غالبية واضحة إنها تصل إلى «التقارير المعمّقة» بنسبة 70% و«المعلومات المحدثة» بنسبة 65% من خلال البحث المباشر. في المقابل، تنخفض هذه النسب إلى 52% و51% بين غير الحاصلين على تعليم جامعي. يشير هذا التفاوت إلى ارتباطٍ محتمل بين رأس المال التعليمي والقدرة أو الرغبة في التخطيط المسبق لاستهلاك الأخبار، مقابل اعتماد أكبر على التدفق التلقائي للمحتوى لدى الشرائح الأقل تعليماً، وإن كانت الفئتان متقاربتين في ما يتعلق بالتعرّض للمنشورات المضحكة والآراء عبر البحث المطوّل أو المصادفة.

سياسياً، لا يلحظ التقرير فوارق واسعة بين المنتمين إلى الحزبين الكبيرين أو المتعاطفين معهما من المستقلين، إذ تبدو النسب متقاربة في ما يخص تفضيل البحث عن مختلف أنواع المحتوى أو الاكتفاء بما يعرضه التدفق العام. غير أن التدقيق في البنية الداخلية لكل حزب يكشف تمايزاً بين الأجنحة الأيديولوجية. فبين الجمهوريين المحافظين ترتفع نسبة من يقولون إنهم يتقصّون المعلومات المعمّقة إلى 65%، كما ترتفع بين الديمقراطيين الليبراليين إلى 69%، مقابل نسب أدنى لدى الجمهوريين المعتدلين أو الليبراليين (54%) والديمقراطيين المعتدلين أو المحافظين (51%). يشي هذا الفارق بأن الانتماء إلى هوية سياسية أكثر تشدداً قد يرتبط بميل أكبر إلى طلب مواد تفسيرية ومعرفية حول الأحداث.

أما في ما يتعلق بمدى سهولة فهم الأخبار، فتؤكد الغالبية أنها تجد ما يصل إليها من محتوى مفهوماً في العموم، لكن الفارق يظهر في صلة ذلك بطبيعة الوصول. بين من يحصلون على المعلومات المعمّقة أو المحدثة عن طريق المصادفة، يقول 70% إن فهم الأخبار سهل عليهم عادةً، بينما ترتفع النسبة إلى 81% بين من يبادرون إلى البحث عن هذا النوع من المحتوى. يطرح هذا المعطى سؤالاً إضافياً حول «جودة» الخبر الملتقط عرضاً مقارنة بالخبر الذي يُطلَب قصداً، وحول أثر السياق المنصّاتي وأسلوب العرض في قدرة المتلقي على الاستيعاب.

تضع هذه النتائج أمام غرف الأخبار وصنّاع السياسات الإعلامية مشهداً مركّباً: جمهور متزايد يتكوّن وعيه الإخباري من تدفقات عفوية يغلب عليها الطابع التفاعلي والساخر، يقابله طلب لا يزال قائماً على المادة التفسيرية المعمّقة، مع فروقات واضحة بحسب العمر والتعليم والانتماء الأيديولوجي. في الخلفية، تواصل مبادرة Pew-Knight، التي تموَّلها بشكل مشترك جهات من بينها The Pew Charitable Trusts ومؤسسة نايت، إنتاج بيانات تفصيلية حول كيفية تشكّل عادات استهلاك الأخبار والأدوار التي ينسبها الأفراد لأنفسهم في البيئة المعلوماتية، في محاولة لقراءة تحوّلات المجال العام الأميركي في زمن المنصات والخوارزميات.