طوّر فريق بحثي من مختبر الوسائط في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالتعاون مع جامعة بوليتكنيكو دي باري الإيطالية نوعا جديدا من العضلات الاصطناعية الليفية يعتمد على مضخات كهربائية مدمجة داخل ألياف مملوءة بسائل عازل، في محاولة للاقتراب أكثر من ديناميات العضلات البشرية من حيث القوة وسرعة الاستجابة وإمكانية التدرج الحجمي وقابلية الدمج في أنسجة وأقمشة مرنة. ويأتي هذا التطور في سياق السعي إلى بدائل للمحركات التقليدية في الروبوتات والأطراف الاصطناعية والأنظمة القابلة للارتداء، لا سيما في التطبيقات التي تتطلب حركة صامتة وتفاعلا أكثر أمانا مع الجسم البشري، كما توضح نتائج الدراسة المنشورة في دورية Science Robotics وملخصات التغطيات التقنية.
تعتمد هذه التقنية، التي يصفها الباحثون باسم عضلات ليفية كهربائية مائعة، على دمج نوع من المضخات المعتمدة على مبادئ التحريك الكهروـهيدروديناميكي داخل دائرة مغلقة من أنابيب رفيعة تشبه الألياف، تحتوي على سائل عازل يُحقن فيه شحنات كهربائية عند تشغيل المضخة. عند تطبيق الجهد، تولّد المضخة أيونات داخل السائل تسحب معها السائل على طول الأنبوب، فتزداد الضغوط الداخلية في جزء من الألياف وتنخفض في الجزء المقابل، بما يؤدي إلى انكماش جانب وتمدد الجانب الآخر في حركة تشبه عمل العضلات المتقابلة في الذراع مثل العضلة ذات الرأسين والعضلة ثلاثية الرؤوس. يتيح هذا الترتيب تحقيق فعل عضلي دون الحاجة إلى أجزاء ميكانيكية دوّارة أو خزانات خارجية للسوائل، وهو ما كان يعدّ عائقا رئيسيا أمام اعتماد العضلات المائعة في الروبوتات خارج المختبر، وفق العرض التقني في Science Robotics وبيانات معهد MIT والتقارير التوضيحية.
قام الفريق بتكوين هذه الألياف في أزواج متضادة، بحيث توضع مضخة ليفية صغيرة بين مشغّلين من نوع مكِبّن دقيق، فيشكل الجميع حلقة سائلة مغلقة يمكن التحكم في ضغطها داخليا فقط. عندما تُدفع السوائل من أحد المشغّلين إلى الآخر عبر المضخة، ينكمش الأول بينما يتمدد الثاني، وتنعكس الحركة عند عكس اتجاه الجهد، في بنية تتيح تخزين السائل داخل النظام نفسه دون أي اتصال مباشر بالهواء الخارجي. هذا التصميم يقارب تنظيم ألياف العضلات في الجسم البشري، لكنه ينطلق من اعتبارات عملية تتعلق بإلغاء الخزانات والخراطيم التي تقيّد حركة الروبوتات اللينة وتجعلها أقل ملاءمة للاستخدام القريب من البشر.
من الناحية التقنية، يبلغ قطر الألياف نحو مليمترين تقريبا وكتلتها بضعة غرامات، ما يسمح بتجميع عدد كبير منها في حزم قادرة على توليد قوى لافتة قياسا إلى كتلتها. بحسب النتائج المنشورة في دورية علمية متخصصة في الروبوتات، تستطيع بعض الترتيبات الليفية تحقيق انكماش في حدود عشرين في المئة من طولها خلال جزء من الثانية، مع قدرة نوعية تصل إلى نحو خمسين واطا لكل كيلوغرام، وهي قيم مقاربة لما يسجله النسيج العضلي الهيكلي البشري في ظروف عمله العادية. في تجارب أخرى، تمكّنت حزمة من هذه الألياف من رفع حمولة تصل إلى أربعة كيلوغرامات، أي ما يعادل مئتي ضعف وزنها، إلى جانب تحريك أذرع مرنة بسرعة زاوية كافية للتعامل مع أغراض صغيرة ضمن زمن يقل عن عشر الثانية.
هذه الخصائص أتاحت تجارب عملية شملت ثني ذراع روبوتية مكسوّة بكمّ نسيجي يحتوي الألياف الجديدة، ورفع أثقال بسيطة، وتنفيذ حركة مصافحة لطيفة مع يد إنسان، مع بقاء البنية الخارجية ناعمة ومرنة وقادرة على ملامسة الجلد دون حواف صلبة أو أصوات تشغيلية. كما أن اعتماد النظام على مضخات صلبة الحالة من دون أجزاء متحركة يقلل مستويات الضجيج إلى حد كبير ويحد من متطلبات الصيانة مقارنة بالأنظمة الهيدروليكية أو النيوماتيكية التقليدية، بما يفتح الباب أمام تكامل هذه الألياف مع منسوجات وأطراف اصطناعية وأجهزة مساعدة للعضلات يمكن ارتداؤها لفترات طويلة.
يندرج المشروع ضمن مسار أوسع في الروبوتات اللينة التي تسعى إلى تطوير هياكل قريبة من الأنسجة الحية، سواء من حيث المرونة أو الأمان عند التفاعل مع البشر، مع الاستفادة في الوقت نفسه من تقنيات الذكاء الاصطناعي في أنظمة التحكم لإدارة عدد كبير من الألياف والتنسيق بينها على نحو يشبه تجنيد وحدات حركية عضلية في الجسم. وتطرح هذه المقاربة احتمالات متعددة في مجالات الأطراف الاصطناعية المتقدمة، والهياكل الخارجية المساعدة للحركة وإعادة التأهيل، والروبوتات الشبيهة بالبشر، وأنظمة الإنتاج الصناعي التي تحتاج إلى حركات دقيقة وقابلة للتكيّف مع الأجسام الهشة أو غير المنتظمة. ضمن هذا الأفق، تبدو الألياف العضلية الاصطناعية الجديدة خطوة إضافية في اتجاه روبوتات أكثر قربا من الجسد البشري شكلا وأداء، مع انتقال تدريجي من المحركات الصلبة المسموعة إلى حركات ليفية صامتة تتغذى بالكهرباء وتتحرك داخل هياكل مرنة؛ ويوازي ذلك تصورا عصبيا لذكاء شبيه بالبشر في الروبوتات اللينة.



