استقبل المفتش العام للقوات المسلحة الملكية، قائد المنطقة الجنوبية، بتعليمات من الملك محمد السادس، الأمين العام للقوات المسلحة الملكية والقائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، كاتب الجيش البري الأميركي دانيال دريسكول خلال زيارة عمل للمغرب على هامش النسخة الثانية والعشرين من مناورات “أفريكان لايون 2026” التي تستضيف المملكة جزءاً مركزياً من مراحلها بين 20 أبريل و8 مايو بمشاركة آلاف العسكريين من أكثر من أربعين دولة أفريقية وغربية وآسيوية وفق معطيات القيادة الأميركية لإفريقيا وسفارة الولايات المتحدة في الرباط. وقد جرت المباحثات في مقر قيادة المنطقة الجنوبية بأكادير، حيث يتولى المغرب دور البلد المحوري في هذا التمرين الذي يعد الأهم ضمن برنامج التدريب المشترك الذي تشرف عليه القيادة الأميركية لإفريقيا ويُنفَّذ هذه السنة في أربع دول هي المغرب وغانا والسنغال وتونس، بما يجعله أحد أبرز التمارين المشتركة على مستوى القارة من حيث عدد المشاركين وتنوع مجالات التدريب البرية والجوية والبحرية.
البيانات الصادرة عن القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية والمؤسسات الإعلامية المتخصصة أوضحت أن اللقاء بين المسؤولين العسكريين انصب على تقييم مسار التعاون الدفاعي الثنائي بين الرباط وواشنطن، مع التركيز على تطوير قابلية العمل المشترك وتنسيق التخطيط العملياتي والتمرين في مجالات الدفاع الجوي والقدرات البرية والتكامل بين الأذرع المختلفة داخل القوات المسلحة. وتؤكد الرباط وواشنطن منذ أعوام خيار شراكة عسكرية طويلة الأمد، تتجلى في انتظام الحوار الاستراتيجي ورفع مستوى التمارين المشتركة وتكثيف برامج التكوين والتدريب المتبادل، فضلاً عن تحديث التجهيزات والأسلحة الأميركية الصنع التي تعتمدها وحدات مغربية في القوات البرية والجوية. وفي هذا الإطار، تشكل مناورات “أفريكان لايون” أحد أهم أوجه هذه الشراكة، إذ تحوّلت إلى منصة سنوية لتجريب مفاهيم عملياتية جديدة مرتبطة بالحرب متعددة المجالات، والاستجابة للأزمات، ومكافحة التهديدات العابرة للحدود، مع إدماج متزايد للتقنيات الرقمية وأنظمة المحاكاة المتقدمة.
الفلسفة المعلنة للتمرين، كما تقدمها القيادة الأميركية لإفريقيا، تقوم على تعزيز قدرات الجيوش الأفريقية الشريكة ورفع مستوى جاهزيتها العملياتية عبر سيناريوهات معقدة تحاكي الأوضاع الواقعية، من قبيل تحرك وحدات مشتركة للتعامل مع تهديدات غير متماثلة، وتنفيذ عمليات إنزال جوي، ودعم لوجستي بعيد المدى، وتنسيق ضربات دقيقة بين القوات البرية والجوية. ويستفيد الجانب المغربي من هذا الإطار لتطوير خبرة وحداته في قيادة أركان متعددة الجنسيات والعمل داخل منظومات قيادة وسيطرة حديثة، مستفيداً من وجود مركز عمليات مشترك (CJTF) في المنطقة الجنوبية، حيث رافق المفتش العام للقوات المسلحة الملكية وكاتب الجيش البري الأميركي وفوداً عسكرية للاطلاع مباشرة على سير التمارين واستعمال الأنظمة التقنية المدمجة هذه السنة. وتتيح هذه الزيارات الميدانية لمسؤولي البلدين مراجعة مستوى التقدم في تحقيق الأهداف المرسومة، سواء من حيث الجاهزية التكتيكية للوحدات أو من حيث قدرة الأركان على إدارة عمليات واسعة النطاق تشمل مسارح مختلفة في وقت متزامن.
النسخة الجارية من “أفريكان لايون 2026” تكتسب بعداً رمزياً إضافياً، إذ تتزامن مع الاحتفال بالذكرى المئتين والخمسين لاستقلال الولايات المتحدة، وهو ما تشير إليه الأوساط الرسمية الأميركية باعتباره فرصة لإبراز استمرار الحضور العسكري الأميركي في شمال وغرب إفريقيا ضمن مقاربة قائمة على الشراكة مع الدول المضيفة وليس على الانتشار المنفرد. وفي الحالة المغربية، تندرج هذه الشراكة ضمن مسار طويل بدأ منذ اعتراف المغرب المبكر باستقلال الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر، ليتحول اليوم إلى تعاون دفاعي متقدم يشمل التمرين المشترك، وتبادل الخبرات، والمشتريات العسكرية، وتنسيق المواقف في قضايا الأمن الإقليمي، من الساحل جنوب الصحراء إلى غرب المتوسط. ويتعامل الطرفان مع هذا التمرين باعتباره فضاءً لتجريب تكنولوجيات ناشئة، في مجالات المراقبة والاستطلاع، والاتصالات المشفرة، والطائرات المسيرة، وإدارة البيانات العملياتية، بما يواكب التحولات المتسارعة في أنماط الحرب الحديثة.
من زاوية مغربية، يسمح احتضان جزء رئيسي من التمرين بتأكيد موقع المملكة كشريك عسكري أساسي للولايات المتحدة على مستوى القارة، وبعرض قدراتها اللوجستية والبشرية على إدارة تمارين متعددة الجنسيات، فضلاً عن ترسيخ دور المنطقة الجنوبية للجيش المغربي كمحور للتخطيط والقيادة على مدى جغرافي واسع يمتد نحو العمق الأفريقي. أما بالنسبة لواشنطن، فإن توسيع نطاق “أفريكان لايون” ليشمل عدداً أكبر من الدول الأفريقية يندرج في مساعي تثبيت شبكة من الشركاء العسكريين القادرين على تحمل أعباء أكبر في الأمن الإقليمي، في وقت تتزايد فيه المنافسة الدولية على القارة بين فاعلين تقليديين وآخرين جدد. وفي هذا الإطار، تعكس اللقاءات رفيعة المستوى، مثل اجتماع المفتش العام للقوات المسلحة الملكية مع كاتب الجيش البري الأميركي خلال هذه الدورة، حرص الجانبين على إبقاء قنوات التنسيق مفتوحة ومحدثة، بما يسمح بتكييف التعاون مع التطورات الاستراتيجية والأمنية في شمال وغرب إفريقيا.


