زار مساعد وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو، رفقة السفير الأميركي في الرباط ديوك بوكان الثالث، القاعدة الجوية السادسة للقوات الملكية الجوية في بن جرير، إضافة إلى اللواء الثاني للمشاة المظليين، حيث التقى عسكريين مغاربة ونظراءهم من القوات الأميركية العاملة معهم في نفس الموقع ضمن ترتيبات تعاون ثنائي متواصل. وتم تقديم هذه الزيارة، التي جرت في الأول من مايو، باعتبارها تجسيداً لمرحلة متقدمة من الشراكة الدفاعية بين البلدين، في وقت يجري فيه الإعداد الميداني للدورة الثانية والعشرين من مناورات "الأسد الإفريقي"، التي تُعد من أوسع التدريبات متعددة الجنسيات في القارة من حيث عدد المشاركين وتنوع الأذرع العسكرية المنخرطة فيها.
وجاءت الجولة في بن جرير ضمن برنامج أوسع لزيارة لاندو إلى كل من المغرب والجزائر خلال الأسبوع الأخير من أبريل وبداية مايو، والتي أعلنت عنها وزارة الخارجية الأميركية باعتبارها مناسبة لتأكيد أولوية الشراكة مع حلفاء واشنطن في شمال أفريقيا ومناقشة ملفات الأمن الإقليمي والتعاون الاقتصادي. ويُنظر إلى توقف المسؤول الأميركي في قاعدة جوية يحتضن وحدات مغربية وأميركية تعمل جنباً إلى جنب في مهام تدريبية وعملياتية، باعتباره إشارة عملية إلى أن التنسيق لا يقتصر على قنوات دبلوماسية أو حوارات استراتيجية دورية، بل يمتد إلى التخطيط المشترك والجاهزية الميدانية وتبادل الخبرات في مجالات الاستطلاع والنقل الجوي والتدخل السريع.
وحرصت السفارة الأميركية في الرباط على إبراز البعد الرمزي لهذه الزيارة، إذ شددت في بيانها على أن أمن الولايات المتحدة "يصبح أكثر متانة" عندما تعمل "كتفاً إلى كتف" مع حلفاء من قبيل المغرب، في صياغة تعكس رؤية واشنطن لدور الرباط كطرف أساسي في ترتيبات الأمن الإقليمي، سواء على مستوى الساحل والصحراء أو غرب البحر المتوسط. كما ربطت التمثيلية الدبلوماسية بين الحضور الأميركي في هذه القاعدة والمشاركة المنتظمة للقوات المغربية في عمليات حفظ السلام والتدريبات متعددة الأطراف، مع التأكيد على أن برامج التدريب المشتركة تشمل جوانب تقنية متقدمة تتعلق بالجاهزية اللوجيستية وتنسيق العمليات الجوية والبرية.
وتتقاطع هذه الرسائل مع مضمون تصريحات لاندو خلال مقابلات إعلامية وخلال لقاءاته مع مسؤولين مغاربة، والتي أعاد فيها التأكيد على ما يعتبره "تحالفاً استراتيجياً" بين البلدين يمتد من ملفات الدفاع إلى قضايا الاقتصاد والطاقة، في إطار اتفاقية التبادل الحر الموقعة بين الرباط وواشنطن منذ منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة. ويكتسب التركيز على الشق العسكري أهمية خاصة في سياق إقليمي يتسم بوجود بؤر توتر في الجوار المغاربي ومنطقة الساحل، مع ما يرتبط بذلك من تحديات أمنية عابرة للحدود مثل تهريب الأسلحة وشبكات الاتجار غير النظامي والهجرة غير النظامية، وهي ملفات تتصدر أجندة الحوار بين العاصمتين.
في هذا الإطار، يُنظر إلى قاعدة بن جرير باعتبارها إحدى المنصات التشغيلية التي تسمح بإجراء تدريبات مشتركة حول الطيران العسكري والنقل الجوي والتنسيق بين القوات الجوية والبرية، في ارتباط وثيق مع دورها الميداني خلال نسخ سابقة من "الأسد الإفريقي". كما توفر البنية التحتية للقاعدة، وما يرتبط بها من وحدات للمشاة المظليين، مجالاً لتجريب سيناريوهات عملياتية تتعلق بالإنزال الجوي والدعم اللوجيستي للقوات المنتشرة على الأرض، وهي عناصر تحرص الجيوش المشاركة في المناورات على تطويرها بشكل دوري.
وتشير المعطيات المتوافرة، استناداً إلى بيانات صادرة عن الجانب الأميركي وتقارير صحفية مغربية، إلى أن هذه الزيارة تشكل امتداداً لمسار متصاعد من التعاون العسكري بين الرباط وواشنطن، يشمل صفقات تسليح وتطوير أنظمة مراقبة واستطلاع، إلى جانب برامج للتكوين والتدريب تستهدف ضباطاً وضباط صف من مختلف الأفرع. ومع أن الحضور الأميركي في بن جرير يظل محكوماً بالأطر القانونية القائمة وبطبيعة المناورات المعلنة، فإن دلالاته تتجاوز البعد التقني البحت لتكرس تموضع المغرب كشريك عسكري رئيسي للولايات المتحدة في شمال أفريقيا، ضمن شبكة أوسع من الشراكات التي تدير من خلالها واشنطن حضورها الأمني عبر المتوسط وإفريقيا الغربية.


