كندا بين تحولات قضية الصحراء وإعادة تموضع سياستها الخارجية

نشر بتاريخ 05/03/2026
منصة الخبر

يأتي إعلان الحكومة الكندية في 28 أبريل 2026 اعترافها بخطة الحكم الذاتي التي قدمها المغرب للصحراء باعتبارها «مبادرة جدية وذات مصداقية» و«أساسًا لحل متوافق عليه»، ليُنهي مرحلة طويلة من حياد محسوب اتسمت به المقاربة الدبلوماسية لأوتاوا تجاه هذا النزاع الإقليمي المعقد. فالبيان الصادر عن وزارة الشؤون العالمية الكندية، عقب اتصال هاتفي بين أنيتا أناند ونظيرها المغربي ناصر بوريطة، حمل صيغة دقيقة تتبنى المرجعية الأممية وقرارات مجلس الأمن، وتربط الموقف الكندي المستجد مباشرة باعتماد قرار مجلس الأمن رقم 2797 في 31 أكتوبر 2025، الذي عزز موقع المقترح المغربي داخل مسار التسوية الأممية للنزاع.



هذا التموضع الجديد يتجاوز مجرد إسناد دبلوماسي، إذ يأتي بعد أن كرّس القرار 2797 خطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية كقاعدة تفاوضية مركزية، مع تمديد ولاية بعثة المينورسو ودعوة الأطراف إلى تحريك عملية سياسية تمتنع عمليًا عن إحياء الخيار الاستفتائي الذي طبع مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار في مطلع التسعينيات. وقد انعكست هذه الصياغة على مواقف عدد من الدول التي سارعت، منذ مطلع 2026، إلى مراجعة علاقاتها مع «الجمهورية الصحراوية» أو تجميد اعترافها بها، في سياق دينامية دبلوماسية متراكمة لصالح المقاربة المغربية، باتت تشمل، إلى جانب الولايات المتحدة، فرنسا وبريطانيا ثم كندا كآخر دولة في مجموعة السبع تخرج من مربع التحفظ.

مع ذلك، تجنبت أوتاوا تجاوز عتبة الاعتراف الصريح بالسيادة المغربية على الأقاليم المتنازع عليها، وهي الخطوة التي أقدمت عليها واشنطن في 2020 وأعقبتها باريس ولندن بمواقف داعمة أكثر وضوحًا، مفضلة اعتماد صيغة تقرّ بإطار تفاوضي دون حسم قانوني نهائي. هذه المعادلة تسمح للحكومة الكندية بتقديم موقفها في الرباط باعتباره تقاربًا نوعيًا، وفي الجزائر كتحول مضبوط لا يقطع بالكامل مع خطابٍ تقليدي ظل يؤكد على الحل السياسي المتوافق في إطار الأمم المتحدة، وإن كان محمّلًا هذه المرة بدلالات أشد وضوحًا في ما يخص مرجعية خطة الحكم الذاتي.

البعد الداخلي الكندي يضفي تعقيدًا إضافيًا على هذا التحول؛ فالدولة التي أدخل برلمانها إعلان الأمم المتحدة بشأن حقوق الشعوب الأصلية في قانونها الداخلي عام 2021، وتعمل منذ 2023 على مواءمة تشريعاتها مع مقتضياته، تبدو، من حيث المبدأ، أقرب إلى خطاب تقرير المصير الذي تتبناه الجزائر وجبهة البوليساريو. إلا أن الإرث الدستوري الكندي في التعامل مع النزعات الانفصالية في كيبيك، ومع تفسير المحكمة العليا لشروط الانفصال الأحادي، أرسى أولوية واضحة لوحدة الدولة وسيادتها على أي إعادة ترسيم أحادية للخرائط، وهي مقاربة يجد صداها في تفضيل أوتاوا لحل يقوم على حكم ذاتي موسع داخل سيادة قائمة، بدل الذهاب إلى خيار انفصال إقليمي جديد في فضاء دولي يتسم أصلًا بارتفاع منسوب الهشاشة الحدودية.

على مستوى السياسة الخارجية، يندرج الموقف الكندي في سياق إعادة تموضع أوسع تقوده حكومة مارك كارني منذ توليه رئاسة الوزراء في مارس 2025، في ظل ضغوط اقتصادية ناتجة عن حرب الرسوم التي تخوضها الإدارة الأمريكية الحالية وتحديات إعادة تنظيم سلاسل التوريد العالمية. فخلال منتدى دافوس مطلع 2026، طرح كارني رؤية تعطي الأولوية للانتقال من «الاعتماد» إلى «القدرة على الصمود» في العلاقات الاقتصادية، مع تركيز خاص على تنويع الشركاء وتقليص الهشاشة البنيوية المرتبطة بالارتباط المفرط بالسوق الأمريكية التي تستوعب نحو أربعة أخماس الصادرات الكندية. في هذا الإطار، تكتسب الشراكة مع المغرب ، باعتباره منصة صاعدة في مجالات الفوسفات والطاقة المتجددة والممرات الأطلسية نحو إفريقيا، وزنًا متزايدًا في الحسابات الاقتصادية الكندية، خصوصًا مع بروز ملف المعادن الحرجة والفرص المرتبطة بالاستثمار في سلاسل القيمة المرتبطة بها في شمال وغرب إفريقيا.

مع أن الميزان التجاري الحالي يميل لصالح الجزائر من حيث حجم المبادلات، وتستفيد الشركات الكندية من حضور تاريخي في السوق الجزائرية، فإن القراءة بعيدة المدى تجعل من تموضع كندا إلى جانب الطرح المغربي استثمارًا في مسار تعتبره أوتاوا مرشحًا ليصبح مرجعًا مستقرًا في التعاطي الدولي مع قضية الصحراء. ويتعزز هذا التقدير بوجود تاريخ من الروابط الاقتصادية غير المباشرة مع الأقاليم الجنوبية المغربية، من خلال عقود توريد الفوسفات التي أبرمتها لسنوات شركات كندية في قطاع الأسمدة، ثم بروز فاعلين من القطاع المنجمي الكندي في مشاريع ترتبط بالموارد المعدنية داخل المغرب، ما خلق، مع مرور الوقت، مصالح ذات وزن في اتجاه تثبيت مقاربة الحكم الذاتي.

إلى جانب المصالح الاقتصادية، تحمل خطوة أوتاوا بعدًا سياسيًا مرتبطًا بإدارة علاقتها مع الجاليات ذات الصلة بالمنطقة المغاربية، ولا سيما الجالية المغربية في كندا، التي يقدَّر حجمها بمئات الآلاف وتتركز أساسًا في مقاطعة كيبيك ذات الثقل السياسي والثقافي الخاص داخل الاتحاد الكندي. كما تتقاطع الاعتبارات الجديدة مع إرادة معلنة في تعزيز حضور كندا في الفضاء الفرنكوفوني، من خلال التطلع إلى استضافة قمة الفرنكوفونية لعام 2028، وهو ما يمنح العلاقة مع الرباط بعدًا إضافيًا على مستوى التنسيق الثقافي والتربوي والهجرة الطلابية، بما تحمله من أبعاد رمزية وشبكات تأثير ممتدة.

في المقابل، تجد الجزائر نفسها أمام خسارة سياسية صامتة، إذ يفقد خطابها واحدًا من آخر الواجهات الغربية التي كانت تحافظ على مسافة محسوبة من المقاربة المغربية، في وقت تكثف فيه الولايات المتحدة توظيف ملف الصحراء ضمن مقاربتها الأوسع لترتيبات الأمن الإقليمي في شمال غرب إفريقيا وعلى الواجهة الأطلسية. وإذا كان الصمت الرسمي الجزائري إزاء الموقف الكندي يشي برغبة في تفادي التصعيد اللفظي مع شريك اقتصادي مهم، فإنه يعكس في الوقت ذاته إدراكًا لتزايد كلفة الإبقاء على موقع متحفظ عن دينامية تتسع تدريجيًا لتشمل عددًا متزايدًا من الفاعلين الغربيين واللاتينيين والإفريقيين.

في ضوء ذلك، يبدو أن القرار الكندي يتجاوز حدّ التكييف الظرفي مع قرار أممي جديد، ليشكّل جزءًا من إعادة ترسيم هادئة لهوية كندا الدبلوماسية كقوة متوسطة تسعى إلى توسيع هوامشها خارج المدار الأمريكي، دون الافتراق عن هندسة التوازنات التي تتبلور حول مقاربة «الاستقرار مقابل الحكم الذاتي» في الصحراء. ومن المنتظر أن تشكل الزيارة المرتقبة لـأنيتا أناند إلى الرباط اختبارًا أوليًا لمدى قابلية هذا التموضع للتحول إلى برنامج تعاون متدرج في مجالات الطاقة والمعادن والتعليم العالي وحركية الأشخاص، في سياق إقليمي ودولي يتسم بتحولات متسارعة تفرض على الفاعلين من حجم كندا إعادة صياغة أدوات حضورهم وشبكات تحالفاتهم بصورة مستمرة.