نيجيريا تصعّد دبلوماسياً بعد اعتداءات جنوب أفريقيا

نشر بتاريخ 05/04/2026
منصة الخبر

أعادت موجة جديدة من الاعتداءات التي استهدفت مهاجرين أفارقة في جنوب أفريقيا، وفي مقدمتهم النيجيريون، إحياء التوتر بين بريتوريا وأبوجا وأعطت بعداً إضافياً للنقاش حول أمن الجاليات الأفريقية داخل القوّة الاقتصادية الأولى في الجنوب القاري. فقد سارعت السلطات النيجيرية إلى إعلان تحرّكات دبلوماسية وسياسية، في محاولة لتأكيد حرصها على حماية مواطنيها في الخارج، ولتوجيه رسالة واضحة إلى الحكومة الجنوب أفريقية بشأن مسؤوليتها عن ضبط الأوضاع على أراضيها. هذا التفاعل السياسي يعيد إلى الأذهان سوابق قريبة عرفتها المدن الكبرى في جنوب أفريقيا، حين تحوّلت أحياء فقيرة إلى مسرح لاعتداءات ممنهجة ضد متاجر ومساكن أجانب، وخصوصاً من دول غرب وشرق أفريقيا.



تشير المعطيات المتداولة في أبوجا إلى أنّ الحكومة النيجيرية استدعت الممثل الدبلوماسي لجنوب أفريقيا على خلفية معلومات عن اعتداءات استهدفت رعايا نيجيريين ومصالحهم التجارية في عدد من الأحياء الشعبية، حيث تنشط جاليات قادمة من نيجيريا وزيمبابوي ومالاوي ودول أخرى بحثاً عن فرص اقتصادية داخل الاقتصاد الجنوب أفريقي المتنوّع. وتحرص الخارجية النيجيرية، وفق ما نُشر في منصات إعلامية متعدّدة، على الحصول على توضيحات مفصّلة من الجانب الجنوب أفريقي بشأن أداء قوات الأمن، ونوعية الإجراءات المتّخذة لتأمين الأحياء التي تضم كثافة من العمال والتجّار الأجانب. ويأتي ذلك فيما تتحدّث شهادات سكان وناشطين عن مشاهد نهب لمحال تجارية مملوكة لمهاجرين، وتكسير واجهات، واعتداءات جسدية، ما خلق شعوراً متزايداً بعدم الأمان داخل هذه الأقليات.

الاعتداءات الحالية ليست حدثاً معزولاً عن مسار أطول من التوترات على خلفية وجود أجنبي متزايد في المدن الجنوب أفريقية، حيث تتكرّر، على فترات متفاوتة، موجات استهداف تطال خصوصاً مواطنين من نيجيريا، وغالباً ما تترافق مع حملات تعبئة على شبكات التواصل وشعارات تتهم المهاجرين بالاستيلاء على فرص العمل أو بالضلوع في شبكات إجرامية. وقد سبق أن سجّلت منظمات محلية ومراكز بحثية حوادث دامية تسببت في سقوط قتلى واحتراق عشرات المتاجر، الأمر الذي دفع مئات النيجيريين إلى طلب العودة إلى بلدهم عبر رحلات منظّمة بدعم من السلطات في أبوجا. هذه الخلفية تجعل أي تدهور ميداني جديد مرشحاً لأن يتحول سريعاً إلى ملف سياسي يربط بين مشاعر الشارع واعتبارات المنافسة الإقليمية بين نيجيريا وجنوب أفريقيا على موقع القيادة الاقتصادية والسياسية في القارة.

من جهة أخرى، تحرص أوساط دبلوماسية نيجيرية على إبراز أنّ تحرّك أبوجا الحالي لا يقتصر على تسجيل احتجاج بروتوكولي، بل يمتد إلى دراسة خيارات عملية لحماية الجالية، من بينها تعزيز الإمكانات القنصلية، وتحديث آليات الإنذار المبكر، وفتح قنوات مباشرة مع جمعيات المهاجرين لمتابعة أوضاعهم على الأرض. كما يجري تداول احتمال تنظيم رحلات إضافية للراغبين في العودة، في حال استمر شعور الخوف داخل بعض الأحياء وازداد الضغط على قنصليات نيجيريا في المدن الجنوب أفريقية. في المقابل، تجد حكومة جنوب أفريقيا نفسها أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على طمأنة شركائها الأفارقة، عبر ملاحقات قضائية فعّالة للمتورطين في الاعتداءات وتطوير سياسات إدماج أكثر مرونة تقلل من الاحتقان داخل الأحياء الفقيرة حيث تشتد المنافسة على فرص العمل المحدودة.

تتداخل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية مع البعد الأمني في هذا الملف، إذ تشير تحليلات باحثين متخصّصين في الشأن الجنوب أفريقي إلى أن هشاشة سوق العمل وارتفاع معدّلات البطالة وسط فئات شابة ذات تأهيل تعليمي متباين تغذي خطاباً شعبوياً يعتبر المهاجرين سبباً مباشراً لتدهور الظروف المعيشية. ويجد هذا الخطاب مساحة في فضاءات رقمية وإعلامية، مع التركيز على صور ومحاور تربط بين وجود أجانب وبين تصاعد بعض مظاهر الجريمة، ما يعقّد مهمة الحكومات المتعاقبة التي تحاول التوفيق بين التزاماتها الإقليمية ضمن الاتحاد الأفريقي وبين ضغوط داخلية ذات طبيعة اجتماعية واقتصادية. في هذا المناخ، تصبح أي حادثة عنف في حيّ شعبي قابلة لأن تتحول إلى موجة أوسع، مع انتقال العدوى إلى مدن أخرى كما حصل في جولات سابقة من الاعتداءات التي امتدّت من جوهانسبورغ إلى بريتوريا.

تحاول نيجيريا، وهي من أبرز المستثمرين الأفارقة في جنوب أفريقيا، التعامل مع الملف انطلاقاً من حماية جاليتها وعدم الإضرار بقنوات التعاون الاقتصادي والتجاري التي تربط البلدين، خاصة في قطاعات الاتصالات، والخدمات المالية، والطيران، حيث تحضر شركات نيجيرية وجنوب أفريقية في أسواق الطرفين. ويصعب، وفق تقديرات خبراء في العلاقات الأفريقية، تخيّل قطيعة شاملة بين قوتين اقتصاديتين تجمعهما شراكات في أطر متعددة من بينها الاتحاد الأفريقي ومجموعات اقتصادية إقليمية، لكن استمرار الإحساس بعدم الأمان لدى المهاجرين قد ينعكس على حركة الاستثمارات الخاصة ومبادرات رجال الأعمال الذين يراقبون عن كثب تطوّر الخطاب السياسي في العاصمتين. كما يثير هذا الملف أسئلة أوسع لدى نخب أفريقية حول مدى انسجام الدعوات إلى حرية تنقّل الأشخاص ورؤوس الأموال داخل القارة مع واقع الحواجز الاجتماعية والنفسية التي يختبرها الأجانب في أحياء متعددة بجنوب أفريقيا.

تواكب هذه المستجدات تغطية إعلامية واسعة في نيجيريا، حيث تعكس المنصات الإخبارية قلق عائلات المقيمين في جنوب أفريقيا، وتبرز شهادات عن إغلاق محلات ونقل الأطفال من مدارس إلى أخرى أكثر أمناً داخل الأحياء التي تشهد توتراً. في الوقت نفسه، يدعو بعض المعلقين إلى تشجيع الحوار بين الجاليات الأفريقية والسلطات المحلية، وتوسيع البرامج الاجتماعية المشتركة التي تجمع بين المقيمين الأصليين والمهاجرين، في محاولة لتخفيف التصورات السلبية المتبادلة وبناء قنوات تواصل تقلل من احتمالات الانزلاق إلى موجات عنف جديدة. ويبدو مرجحاً أن يبقى هذا الملف حاضراً في أجندة العلاقات النيجيرية الجنوب أفريقية خلال الأشهر المقبلة، مع ترقب لمدى تجاوب بريتوريا مع مطالب أبوجا وضغوط عواصم أفريقية أخرى تسعى إلى ضمان حرمة مواطنيها داخل بلد يُنظر إليه كأحد أعمدة القارة الحديثة.