أعاد ترحيل خمسة قاصرين جزائريين من جزيرة إيبيزا الإسبانية إلى الجزائر، في 2 مايو 2026، إحياء النقاش حول اتساع الهجرة غير النظامية للشباب الجزائري نحو السواحل الإسبانية، على الرغم من الخطاب الرسمي الذي يقدم البلاد بوصفها فضاءً مستقراً يوفر مستويات معيشية مقبولة. كان هؤلاء القاصرون، الذين تراوحت أعمارهم عند المغادرة بين 14 و17 عاماً، قد انطلقوا في سبتمبر 2025 من مدينة تامنفوست في الجهة الشرقية لخليج العاصمة الجزائرية، بعد الاستيلاء على قارب ترفيهي صغير من نوع «Geisa Naval Open 550»، قبل أن يبلغوا إيبيزا في اليوم نفسه إثر ساعات من الإبحار عبر البحر المتوسط. وقد تحوَّلت رحلتهم سريعاً إلى حدث متابع على نطاق واسع، بعدما وثقوا مراحلها بمقاطع مصورة جرى تداولها بكثافة على منصات مثل «تيك توك» و«فيسبوك»، ما منح القصة بعداً رمزياً يتجاوز حادثة فردية للهجرة غير النظامية.
جرت عملية الترحيل التي شملت خمسة فقط من أصل سبعة قاصرين على متن طائرة إسبانية، وفق ما أوردته وسائل إعلام في مدريد، من دون أن يصدر في الجزائر بيان تفصيلي يواكب هذه الخطوة، على الرغم من أن حادثة الفرار نفسها كانت قد تحولت، في سبتمبر 2025، إلى قضية سياسية وإعلامية بارزة. أما القاصران المتبقيان من المجموعة الأصلية فقد سلكا مسارين مختلفين؛ إذ تمكن أحدهما من الالتحاق بأقارب له في فرنسا، بينما رفض الثاني، بعد بلوغه سن الرشد، العودة إلى بلده الأم وفضّل البقاء في إسبانيا. وتشير شهادات متقاطعة نشرتها وسائل إعلام محلية وإسبانية إلى أن ملف هؤلاء القاصرين ظل مطروحاً خلال اللقاءات الثنائية، سواء أثناء زيارة وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا إلى الجزائر في أكتوبر 2025، أو خلال زيارة وزير الخارجية خوسيه مانويل ألباريس في مارس 2026، وهي محطات ساعدت على بلورة تفاهم بشأن آلية إعادتهم.
في خلفية هذا المسار الدبلوماسي، برزت الشبكات الاجتماعية بوصفها عنصراً حاسماً في انتشار القصة منذ لحظاتها الأولى. فقد نشر القاصرون السبعة صوراً وفيديوهات توثق مغادرتهم لتامنفوست، والظروف التي أحاطت بوجودهم في عرض البحر، ثم لحظة وصولهم إلى شواطئ إيبيزا، وهو ما ساهم في انتشار روايتهم بسرعة داخل الجزائر وخارجها. كما ساعدت حسابات رقمية متخصصة في متابعة حركة الحراقة الجزائريين، من بينها حساب شاب إسباني يكرس محتواه لرصد القوارب القادمة من الضفة الجنوبية، على نقل تفاصيل إضافية عن الرحلة، إلى جانب التواصل مع عائلات بعض هؤلاء المراهقين. وقد أسهم هذا التفاعل الرقمي المكثف في إخراج القضية من نطاقها المحلي، كما ألقى الضوء على التباعد بين خطاب رسمي يكثر من الحديث عن «الجزائر الجديدة» وصور شبابية توحي بعدم الرضا والسعي إلى مغادرة البلد بأي ثمن.
على مستوى الأرقام، تعكس المعطيات الصادرة عن وكالة حرس السواحل والحدود الأوروبية «فرونتكس» حجم الظاهرة التي تمثل قصة قاصري إيبيزا أحد وجوهها الأكثر وضوحاً. فخلال الفترة الممتدة من يناير إلى يوليو 2025، وصل إلى السواحل الإسبانية نحو 4 100 جزائري، وفق تقديرات أوروبية متداولة، بينما تشير بيانات بحرية أوردتها تقارير صحفية إلى أن أكثر من 6 000 جزائري آخرين بلغوا السواحل ذاتها بين أغسطس وديسمبر من العام نفسه، ليقارب عدد الوافدين الجزائريين غير النظاميين إلى إسبانيا خلال 2025 سقف 10 000 شخص. وفي موازاة هذه الأرقام، شهدت جزر الباليار، التي تضم إيبيزا، خلال صيف 2025 تزايداً ملحوظاً في القوارب القادمة من الجزائر، الأمر الذي غذّى نقاشات داخلية في إسبانيا حول قدرات الاستقبال والبنى المخصصة لإيواء المهاجرين، وخاصة القاصرين غير المصحوبين.
ورغم الضغوط الأوروبية المتكررة لتشديد الرقابة على السواحل ومسالك العبور، والتعهدات الرسمية الجزائرية بزيادة التنسيق الأمني وتقليص الهجرة غير النظامية، لا توجد مؤشرات واضحة على تراجع جذري في دوافع الشباب نحو المغادرة. فالمسار البحري الذي سلكه قاصرو تامنفوست لا يزال من بين الممرات الأكثر استخداماً لدى الحراقة، في ظل تواصل العوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تدفع فئات واسعة من الشباب إلى التفكير في الهجرة، سواء باتجاه الجزر الإسبانية أو السواحل القريبة من شبه الجزيرة الإيبيرية. ويظهر التباين بين الصورة التي تُرسم في الخطاب السياسي وبين الوقائع الميدانية أن معالجة الظاهرة تتجاوز الإجراءات الأمنية وحملات الترحيل، لتطرح أسئلة أعمق حول فرص العمل، وآفاق الاندماج، وإحساس الأجيال الجديدة بمكانتها داخل المجتمع، وهي عناصر يبدو أن واقعة قاصري إيبيزا قد أعادت إبرازها بقوة في النقاش العام.


