في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، جمع لقاء جديد بين الأمين العام أنطونيو غوتيريش والممثل الدائم للمغرب لدى المنظمة، عمر هلال، الذي يتولى خلال سنة ٢٠٢٦ رئاسة لجنة بناء السلام الأممية، وهي مسؤولية أفردت للرباط مساحة أوسع داخل النقاش الدائر حول إعادة تشكيل هندسة السلم والأمن في المنظمة الدولية. وجاءت هذه المباحثات في لحظة تعرف فيها منظومة الأمم المتحدة ضغطاً متزايداً بسبب تراكم بؤر التوتر، خصوصاً في إفريقيا والساحل، حيث تحاول لجنة بناء السلام بلورة مقاربة تركز على الاستثمار في الوقاية، دعم المؤسسات الوطنية، وتقوية الصلة بين التنمية والاستقرار السياسي.
خلال هذه الجلسة، قدم عمر هلال عرضاً مفصلاً لحصيلة الأشهر الأولى من الرئاسة المغربية للجنة، متوقفاً عند المبادرات التي جرى إطلاقها لدعم عدد من الدول الخارجة من النزاعات، سواء عبر مواكبة الإصلاحات المؤسساتية، أو عبر تعبئة التمويلات الضرورية لمشاريع مرتبطة بإعادة الإعمار وتعزيز العقد الاجتماعي. وانصبت هذه الحصيلة على نتائج اللقاءات التي نظمت في نيويورك ومع عواصم دولية أخرى، إضافة إلى مشاورات مع منظمات مالية دولية، من بينها البنك الدولي، بهدف توسيع قاعدة الشراكات الموجهة إلى برامج بناء السلام.
الأمين العام استمع، وفق ما أوردته عدة منصات إعلامية دولية، إلى عرض هلال حول توجه الرئاسة المغربية إلى إعطاء أولوية خاصة للقارة الإفريقية، من خلال التركيز على دول تعيش مراحل انتقالية هشة، حيث تبقى المؤسسات القضائية والإدارية والاقتصادية في طور إعادة التشكل. ويشمل هذا التوجه دعم المبادرات الإفريقية في مجال الوساطة والحوار الوطني، إلى جانب تشجيع إدماج قضايا الشباب وتمكين المرأة داخل أجندات المصالحة الوطنية، وهي عناصر باتت تعتبر اليوم جزءاً أساسياً من أدوات منع الانتكاس نحو العنف المسلح.
مصادر أممية نقلت أن غوتيريش عبّر عن تقدير واضح للدينامية التي أطلقتها الرئاسة المغربية داخل لجنة بناء السلام منذ انتخاب عمر هلال بالتزكية على رأسها خلال اجتماع رسمي عُقد في نيويورك أواخر يناير ٢٠٢٦، في إشارة إلى الثقة التي حظي بها ترشحه من قبل الدول الأعضاء. ويضع هذا الاختيار الدبلوماسية المغربية في موقع يتيح لها التأثير في النقاش الدائر حول مستقبل آليات الأمم المتحدة في مجال الوقاية من النزاعات، وإعادة دمج الدول الخارجة من الأزمات داخل الاقتصاد العالمي، وتعزيز حضور القارة الإفريقية داخل أجهزة صنع القرار متعددة الأطراف.
وخلال اللقاء نفسه، وجه هلال دعوة إلى الأمين العام للمشاركة في حدثين رفيعي المستوى تعتزم الرئاسة المغربية تنظيمهما خلال الأشهر المقبلة، أحدهما مخصص لموضوع تمويل بناء السلام، والثاني يتناول العلاقة بين الأمن المناخي والاستقرار السياسي، وهما ملفان يبحث مسؤولو المنظمة عن مقاربات عملية للتعامل مع تحدياتهما المتزايدة. ويبدو أن انعقاد هذين الموعدين، في حال تأكيد حضور غوتيريش، سيمنح مزيداً من الزخم للجهود الجارية من أجل ربط عمل لجنة بناء السلام بنقاشات مجلس الأمن والجمعية العامة، بما يضمن انتقال التوصيات من مستوى النقاش النظري إلى مسارات تنفيذية قابلة للقياس والمتابعة.
الأمين العام اعتبر، بحسب ما أوردته منصات قريبة من دوائر الأمم المتحدة، أن المبادرتين المزمع تنظيمهما تندرجان ضمن أولويات عمل الأمانة العامة خلال السنة الجارية، بالنظر إلى الحاجة الملحة إلى آليات جديدة لتمويل عمليات بناء السلام خارج الميزانيات التقليدية لعمليات حفظ السلام. ويبحث مسؤولو المنظمة بشكل متزايد عن صيغ مرنة تشرك الفاعلين الماليين الدوليين، من قبيل البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية، في تمويل برامج موجهة إلى دعم المؤسسات الوطنية، وتقليص الفوارق الاجتماعية، وتحصين المجتمعات الهشة أمام موجات العنف والانقلابات العسكرية.
موازاة مع ذلك، حمل اللقاء بعداً ثنائياً غير معلن بالكامل، إذ نقلت تقارير صحافية أن غوتيريش كلف عمر هلال بنقل تحية خاصة إلى الملك محمد السادس، تقديراً لدور المغرب في ملفات متعددة داخل المنظومة الأممية، من حفظ السلام إلى مكافحة التغير المناخي والهجرة. ويأتي هذا المعطى في امتداد لمسار تصاعد خلال السنوات الأخيرة، مع تنامي حضور الدبلوماسية المغربية في عدد من مسارات التفاوض متعددة الأطراف، من مجلس حقوق الإنسان إلى المفاوضات المناخية، إضافة إلى الملف المرتبط بالصحراء، حيث تراهن الرباط على تكثيف حضورها داخل دوائر الأمم المتحدة.
الاهتمام الأممي بالدور الذي تضطلع به الرباط في مجال بناء السلام يلتقي مع تحولات داخلية في مقاربة المغرب لقضايا السلم والأمن، حيث تحرص الدبلوماسية الرسمية على تقديم نفسها بوصفها جسراً بين الشمال والجنوب، مع التركيز على الملفات الإفريقية والعربية والإسلامية. ويُترجم هذا الاختيار عبر مساهمة المغرب في عمليات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة، واستضافته لاجتماعات إقليمية ودولية حول الإرهاب والهجرة غير النظامية، إلى جانب حضوره داخل النقاش المتعلق بإصلاح مجلس الأمن وتوسيع تمثيلية إفريقيا ضمن هياكل الحوكمة العالمية.
في خلفية هذا المسار، تبرز لجنة بناء السلام بوصفها مختبراً لجزء من هذه التحولات، إذ تسعى إلى تجاوز الصورة التقليدية للأمم المتحدة كفاعل يتدخل بعد اندلاع الأزمات، نحو مقاربة تراهن على الوقاية، وتدعيم الهياكل المحلية، والانخراط مع الفاعلين الإقليميين والماليين من مرحلة مبكرة. ومن خلال رئاستها الحالية لهذه اللجنة، تعمل الرباط على ترسيخ موقعها داخل شبكة التعقيدات الجديدة التي تحيط بمفهوم الأمن، حيث تتداخل اعتبارات المناخ والهجرة والاقتصاد مع المسارات السياسية، في زمن يتعرض فيه النظام متعدد الأطراف لاختبارات متلاحقة.


